اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [1] ، فالتحليل والتحريم حقٌ لله -تبارك وتعالى- وحده.
وكلّ حاكم يأتي إلى شيء من دين الله وشرعه ثم يصدر قانونًا أو دستورًا أو تشريعًا ينصُّ فيه على خلاف ما ذكره الله -تبارك وتعالى- عن شيءٍ من هذه الأحكام، ثم إذا تخاصم الناس وتنازعوا رجعوا إلى هذا الدستور والقانون فنظروا؛ فإن وجدوا ذلك المشرع أو ذلك الحاكم قال فيه"هو حرام"حرّموه، وإن قال فيه"هو حلال"أحلّوه، وهذا هو عين اتخاذ الرب والندّ والإله شريكًا مع الله -عز وجل-.
روى الإمام أحمد في مسنده وابن أبي حاتم والطبري والحديث إسناده -إن شاء الله تعالى- صحيح، من حديث حذيفة بن اليمان وهو حديث مشهور، ولفظه عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه وأرضاه- وأرضاه قال: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال:"يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟» قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» ) [2] ."
فسمّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتّباع هؤلاء القوم في التحليل والتحريم عبادة، وهذا هو معنى التشريع؛ فإنّ الشريعة في أصل معناها في اللغة هو المكان الموطّأ على حواف الأنهار، والموطّأ السَّهل الممهل، كانت ترده الإبل لتشرب منه، فسُميّ شريعة لتوطئته وتمهيده، فالذي يجعل نفسه مع الله -عز وجل- مُشرعًا فهو إنّما يُشرّع هذ الأحكام أي يوطئها ويمهدها للناس ليسيروا على وفقها ويرجعوا إليها في فضّ الخصومات والنزاعات.
وهو سواء بعد ذلك سماه (حلالًا) أو سماه (جائزًا) أو سماه (مباحًا) أو سمّى المنع (حرامًا) أو قال عنه (لا يجوز) أو قال (يمنع كذا) فهو المعنى في الحصيلة واحد، يعني لو أنّ دستورًا أو تشريعًا من التشريعات التي توجد في بلاد المسلمين اليوم نصّ على قوله، وهو موجود في دساتير البلاد وارجعوا إليها وانظروا في نصوص قوانينها
(1) سورة النحل، الآية: 116.
(2) سنن الترمذي (3095) معجم الطبراني الكبير (218) واللفظ للطبراني وحسنهُ الألباني في صحيح الترمذي: (3095) .