والله -تبارك وتعالى- قد بيّن في آيات كثيرات أنّ الشرع والتحليل والتحريم وأنّ الأمر والنهي هو حقّ له وحده -عزّ وجل-، لا يجوز أن يشاركه غيره في ذلك، وقد قال الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [1] ، والعروة الوثقى قد فسرها أئمتنا -رحمهم الله- بأنّها الإسلام أو أنها كلمة التوحيد أو بغير ذلك من التفاسير التي ترجع في حقيقتها إلى معنى واحد، فالعروة الوثقى هي توحيد الله -سبحانه وتعالى-. وقوله -عز وجل-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ؛ هو الإيمان العمليُّ الواجبُ على المرء أن يُحقّقه وبغير ذلك لا يكون مسلمًا، وبغيره لا يكون في دائرة الإيمان والإسلام، بل هو خارج عنه.
وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- للطاغوت تعريفات كثيرة، وهي متناثرةٌ موجودةٌ في كتاباتهم، وقالوا أنّ الطاغوت مأخوذٌ من (الطُّغيان) وهو مجاوزة الحدّ، وقد عرّفه الإمام ابن القيم -رحمه الله- بأنه (ما جاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع أو مطاع) .
وقال الإمام مالك -رحمه الله-: (الطاغوت كل ما عُبد من دون الله) ، وهو صحيح إلّا أنه بحاجة أن يُقيَّد بقولنا (وهو راضٍ) ، ذلك حتى يخرج أمثال الأنبياء والملائكة والصالحين الذين عُبِدُوا من دون الله -تبارك وتعالى-، ولكنهم لم يكونوا راضين بذلك.
وقد حكى الله -تبارك وتعالى- عن عيسى -عليه السلام- أنّه تعالى يقول له يوم القيامة {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [2] ، فهذا ذكره الله -تبارك وتعالى- عن عيسى عليه السلام، ولا يجوز أن يسمّى عيسى -صلوات الله وسلامه عليه- طاغوتًا وإن كان قد عُبد من دون الله ولكنه لم يكن راضيًا، صلوات الله وسلامه عليه وعلى رسل الله أجمعين.
(1) سورة البقرة، الآية: 256.
(2) سورة المائدة، الآية: 116.