والحاصلُ أنّ الطاغوت كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (الطاغوت حاصله أنه على ثلاثة أقسام، طاغوت حُكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة) . ونحن ما يهمنا هنا أن نبيِّنه في هذا المقام إنّما هو الصنف الأول وهو طاغوت الحكم، وذلك لتعلُّقه بالمسألة التي نحن بصدد الحديث عنها.
وطاغوت الحكم؛ ذكر -رحمه الله- أن مثاله ما يصنعه أهل العشائر والبوادي في فضّ خصوماتهم ونزاعاتهم والحكم في الفروج والدماء والأعراض والأموال من الرجوع إلى ما تعارف عليه كبراؤهم ووضعوه واصطلحوا عليه فيما بينهم، وهي التي تسمى بالأعراف -أعراف أهل البادية-، فكانوا يرجعون إليها في الحكم وفض الخصومات والنزاع.
وقلت في المرة الماضية إنّ مضاهاة شرع الله -عز وجل-من هذا الوجه هي أن دين الله -عز وجل- له مصدر تُؤخذ منه الأحكام، لا مصدر سواه، ولا محل غيره، وهو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فمن جعل مرجعه ومستنده في إصدار الأحكام غير كتاب الله وغير سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وجعل ذلك بين أتباعه شرعًا متَّبعًا؛ فقد جعل نفسه لله -تبارك وتعالى- شريكًا، وهذا هو عيه الكفر الذي حذّر الله منه وبيّن في الآية التي ذكرناها {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ؛ بيّن سبحانه أنه لا يتم لأحدٍ إيمانٌ ولا إسلامٌ إلا به.
وكلّكم يعرفُ ما أشرت له في المرة الماضية من حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه وأرضاه- الذي بيّن له رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- أن العبادة كانت في حق هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؛ كانت بأن أحلّ لهم هؤلاء الأحبار والرهبان ما حرّم الله، وحرَّموا عليهم ما أحلَّ الله -تبارك وتعالى-، فشاركوا الله -عز وجل- في ألوهيته في حقه في التحليل والتحريم، والتحليل والتحريم أمرٌ مردّه ومرجعه إلى الله -عز وجل-، بل إن الدين كل مداره على التحليل والتحريم.
كلّ الدين مداره على التحليل والتحريم، فمن الذي أحلّ لهذه الأمة عبادة الله وحده لا شريك له؟ أحلّهُ ربّنا -سبحانه وتعالى-. ومن الذي حرّم على هذه الأمة الشرك بالله -سبحانه وتعالى-؟ حرّمه الله -عزّ وجل-.