فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 141

ولو شاء ربُّنا -سبحانه وتعالى- أن يأمرنا وأن يُكلّفنا بأن نشرك معه غيره لفعل، ولكان بذلك عادلًا -سبحانه وتعالى- ولكنّه اختار -سبحانه وتعالى- ما أوجبه على هذه الأمة وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولو أمرنا بذلك لوجب علينا، لكنّه حرّمه علينا -سبحانه وتعالى- وأمرنا أن نُفرده وحده بالعبوديّة والتوحيد والطاعة والمتابعة وحرّم علينا أن نشرك معه غيره --عزّ وجل- عدلًا منه -سبحانه وتعالى-. ومن فعل خلاف ما أمر به -عزّ وجل- في هذا المقام فقد اتَّخذ آلهةً وشريكًا مع الله -عزّ وجل-، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

وأقول اعلم أن ما دلّ في كتاب الله -تبارك وتعالى- على أنّ الحكم والتشريع حقٌ له وحده؛ فهذا كثيرٌ في كتاب الله -عزّ وجل-، وكثيرٌ في سنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه الكريم بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [1] .

فحَمِد الله -سبحانه وتعالى- نفسه على خلقه لأعظم مخلوقاته وهو خلق السماوات والأرض، كما قال الله --عزّ وجل- في الآية الأخرى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [2] ، فحمد -سبحانه وتعالى- نفسه المقدّسة بذلك.

ثمّ قال: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} جمع سبحانه لفظة الظلمة ووحَّد لفظة النور إشارة إلى أن الحقّ واحد لا يتعدّد، وإلى أن الكفر سُبُله كثيرة تؤدّي إليه، كما قال -عزّ وجل- في الآية الأخرى: {وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [3] ، فبيّن -سبحانه وتعالى- أن سبيله واحد وأنّ طريقه واحد، وأن ما سوى هذا السبيل هي سُبل معوجّة متعدّدة وكلها قد نهى الله -تبارك وتعالى- عنها، وواجب على هذه الأمة امتثال ما أمر الله تعالى به، وأنه من خالف ذلك فقد عرّض نفسه لعذاب الله وسخطه، {نَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [4] .

(1) سورة الأنعام، الآية: 1.

(2) سورة غافر، الآية: 57.

(3) سورة الأنعام، الآية: 153.

(4) سورة النساء، الآية: 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت