فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 141

ثم قوله -عزّ وجل-: {والذين كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} هذا ذمٌ منه -سبحانه وتعالى- لهؤلاء الذي كفروا مع الله -عز وجل- وجعلوا معه آلهة وندًا وشريكًا، وقوله: {يَعْدِلُونَ} هو من المعادلة و المساواة، أي هؤلاء الذين كفروا يسوُّون بين الله -عز وجل- وبين غيره، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

فإن الخلق كما أفرد الله تعالى به نفسه وحده لا شريكه له ولا يشاركه معه أحدٌ غيره، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [1] .

فبيّن سبحانه أن الخَلْق له وحده، وحَمِد نفسه على الخلق في مقدمة هذه الآية، ثم قال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ؛ يعدلون بربهم في أن يشاركوا غيره معه فيما أفرد به نفسه -سبحانه وتعالى-. والله -عز وجلّ- قد أفرد نفسه بالخلق وأفرد نفسه بالأمر فقال: {أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [2] ، فكما أنّ الخلق له وحده فكذلك الأمر له وحده، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ثم اعلم أنّ قوله -عزّ وجل-: {الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} هو دليل على أنَّ من جعل لله -تبارك وتعالى- شريكًا يًصدرُ للناس أوامره في التحليل والتحريم، فيحرّم عليهم ما أحلّ الله -عز وجل-، ويحلّ لهم ما حرّم الله -تبارك وتعالى-؛ أقول هذا قد نصّب هذا المُحلِّلَ والمحرِّم شريكًا مع الله -تبارك وتعالى-.

والله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم في بيان صورة من صور هذه المعادلة التي قام بها أهل الكفر وهي شأنهم؛ قال -عزّ وجل-: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [3] ، فهذه الآية ردَّ الله -سبحانه وتعالى- فيها على أهل الشرك والكفر شركهم وكفرهم، في أنّهم جعلوا شريكًا من الجن.

(1) سورة الحج، الآية: 73.

(2) سورة الأعراف، الآية: 54.

(3) سورة الأنعام، الآية: 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت