فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 141

وقد ذكر الإمام ابن كثير -رحمه الله-:"فإن قيل: فكيف عُبدت الجن، مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها، إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك" [1] اهـ.

فإن شياطين الجن هم الذين كانوا يقيمون على هذه الأصنام التي يدعوها هؤلاء المشركون من دون الله -عزّ وجل-، شياطين الجنّ هم الذين دفعوهم إلى عبادة هذه الأصنام، ثمّ كانت الجنّ وشياطينهم يُلقون على الكهنة -الذين يقومون على هذه الأصنام- يُلقون إليهم ويوحون إليهم تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله -عزّ وجل-.

ولذلك قال -عزّ وجل-: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} ، فهم الذين في الحقيقة يحلّون لهم ويحرّمون لهم، وهم الذي أمروهم ابتداءً بعبادة الأصنام من دون الله -عزّ وجل-.

وقد قال الله -تبارك وتعالى- في بيان ذلك كثيرًا من الآيات التي تدلُّ على أنّ العبودية في أصلها بالنسبة للجنّ إنّما كانت عن طريق المتابعة والطاعة لهم، كقوله -عزّ وجل-: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [2] .

فقال -عزّ وجل-: {وَلَآمُرَنَّهُمْ} فإذًا شأن الشيطان وشأن الجن وشأن من يحلُّ ويحرّم من دون الله -عزّ وجل- أن يأمر الأتباع فيُحلّوا ما حرّم الله ويُحرّموا ما أحل الله.

إذًا هو أمر بتحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله -عزّ وجل-، وهذا هو عين العبودية، وعين الإشراك مع الله -سبحانه وتعالى- فيما هو حقٌّ له وحده، إذ قال -عزّ وجل- {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [3] ، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [4] .

(1) تفسير ابن كثير ط العلمية 3\ 275، نقل الشيخ كلام ابن كثير بتصرف ونقلنا نصّ كلام ابن كثير.

(2) سورة النساء، الآيات: 117 - 118.

(3) سورة الأنعام، الآية: 57.

(4) سورة يوسف، الآية: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت