فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 141

وكذلك إنكاره -عزّ وجل- على بني آدم عندما قال لهم: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [1] ، فبيّن سبحانه أن الشياطين وأن الجنّ يُتَّخذُون أولياء من دون الله، ومعنى اتخاذهم أولياء أن يأمروهم بتحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله -عزّ وجل-، وهي عين العبودية التي حرّمها الله -عزّ وجل- عن غيره وخصّ بها نفسه -سبحانه وتعالى-.

وحكى ربّنا -عزّ وجل- عن إبراهيم قوله لأبيه: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [2] ، فبيّن أنّ الشيطان يُعبدُ من دون الله، وليس المراد بعبادة الشيطان هاهنا هو الركوع والسجود للشيطان وإنّما المراد متابعةُ الشيطان في خطواته، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [3] .

إذًا هذه أدلة تدلّ على أنّ المتابعة وأنّ طاعة الغير في تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله هي عين العبودية لذلك الغير، ولذلك قلنا أن الطاغوت قد يكون طاغوت طاعة ومتابعة، والحقّ أنّ الطاعة والمتابعة تُؤدّي إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله -عزّ وجل-، فإنّ من عادة المتبوع والمطاع أن يأمر تابعه وأن يأمر مريده؛ فإذا أمره بغير ما أمره الله ونهاه عما أوجبه الله عليه أو عمّا أحلّه له؛ فقد جعله لله -تبارك وتعالى- ندًّا وشريكًا، نسأل الله -عزّ وجل- السلامة والعافية.

وقال ربُّنا -تبارك وتعالى- في معرض بيان ذلك أيضًا؛ يقول -عزّ وجل- على لسان نبيّه يأمره أن يقول لقومه: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [4] .

(1) سورة الكهف، الآية: 50.

(2) سورة مريم، الآية: 44.

(3) سورة البقرة، الآية: 208.

(4) سورة الأنعم، الآيات: 114 - 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت