ويقول الجصًّاص- يرحمه الله-: (وفي هذه الآية دلالة على أن من ردًّ شيئًا من أوامر الله - تعالى- أو أوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو خارج من الإسلام، سواء ردًّه من جهة الشك فيه؛ أو من جهة ترك القبول والامتناع عن التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم لأن الله- تعالى- حكم بأن من لم يسلِّم للنبي - صلى الله عليه وسلم - قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان) [1] .
فأين هذا من ترك التحاكم إلى شريعته ابتداءً، أو اتهامها بالبداوة والرجعية؟ أو الجمود وعدم الصلاحية للتطبيق؟ أتظنون أنه يبقى مع ذلك من الإيمان حبة خردل، وقد أقسم ربنا في هذا القرآن هذا القسم على نفى الإيمان عن مجرد من وجد في نفسه حرجًا من قضاءه، - صلى الله عليه وسلم -؟!
أين هذا ممن يجلسون من شريعته مجلس الحكم الأعلى يصوِّبون منها ما يشاءون، ويقرُّون منها ما يشاءون، ويلغون منها ما يشاءون ويعدّلون منها ما يشاءون، ويزعمون الإصلاح والتقدمية، ويدَّعون التطور والاستنارة، وما دروا أنهم يتخبطون بذلك في أوحال من الكفر، ويتردُّون إلى دركات من الزندقة والنفاق الأكبر؟!
(1) أحكام القرآن الكريم للجصّاص.