وبعد:
فإن أصول الإسلام وهي الرّضا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ، - صلى الله عليه وسلم -، نبيًا ورسولًا، تقتضي إفراد الله- جل ولعلا- بالحاكمية العليا والسيادة المطلقة، وأن تكون كلماته وحدها هي الحكم الأعلى والحجة القاطعة، كما تقتضي الإقرار المطلق بجميع ما صحَّ أنَّه من الدين تصديقًا وانقيادًا لا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات، وأنّ قَصْرَ الدين على جانب العقائد والعبادات فحسب؛ باب من أبواب الردة والزندقة، كما تقتضي الإقرار بجميع ما صحَّ به الخبر عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، تصديقأً وانقيادًا وأن من رد شيئًا مما جاء به الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، سواء كان رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع عن التسليم فهو بمثابة من لم يرضى بنبوته، - صلى الله عليه وسلم -، لأن حقيقة الرضا بنبوته، - صلى الله عليه وسلم -، تصديق خبرة جملة وعلى الغيب، فمن لم يوجد في قلبه التصديق والانقياد معًا كان كافرًا بالله ورسله خارجًا من الإسلام لا محالة.
لن يصح ادعاؤكم الإسلام حتى تعلموا أن السيادة العليا للشرع لا غير، وأن الحق في التشريع المطلق لم يجعله الله لأحد من دونه، وأن ما تدعو إليه العلمانيِّة من تحكيم إرادة الأمة بدلًا من تحكيم الكتاب والسنَّة باب من أبواب الردة وخلع الربقة ومنازعة لرب في أخصّ خصائصه وأجمع صفاته.
لن يصح ادعاؤكم حتَّى تعلموا أنكم عبيد لله ? جل وعلا- وأنكم مدينون بشرعه كما أنكم مدينون بقدَره، وأن الكتاب والسنَّة هما الحجّة القاطعة والحكم الأعلى، وأنهما فوق القانون وفوق الدستور وفوق ما يصنعه البشر من الشرائع والأنظمة. أليس عجبًا أن يكون القرآن في دين الله مهيمنًا على جميع الكتب، وهي في الأصل منزلة من عند الله، ولا يكون في دينكم مهيمنًا على ما تنشئونه من الدساتير والقوانين وهي من صنع أيديكم تغيرون فيها وتبدّلون كما تشاءون؟ أيهيمن القرآن على الكتب السَّماويَّة وتجعلونه أهون من أن يهيمن علي الدساتير والأنظمة الوضعيَّة؟ أتريدون أن تعلو شرائع اليهود والنَّصارى على شرائع الإسلام؟ أتريدون أن تقدّموا بين يدي الله ورسوله بشرائع الفرنسيين والإنجليز وقد فعلوا بكم وبأمتكم وبدينكم ما تعلمون وما لا تعلمون؟
يا قومنا أين إرادتكم؟ أتطيب نفوسكم أن تعلوا ما يسمونها زورًا (إرادة الأمة) على حقائق الكتاب والسنّة؟ ووالله لو نطقت إرادة الأمة ما دعت إلاّ إلى الإسلام، ولا تحاكمت إلاّ إلى ما أنزل الله، ولا كفرت إلاّ بمن يشرك بالله باسمها، ويردّ شرائع الله مدعيًا تمثيلها والنيابة عنها في ذلك وهي منه ومن كفره وشركه براء.