وقول الشنقيطي -يرحمه الله- في تفسير هذه الآية: إنها (فتوى سماوية من الخالق - جل وعلا- صرّح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) [1] .
فتأملوا رحمكم الله كيف جعل الله طاعة اليهود في أمر واحد مما حرَّم الله بابًا من أبواب الشرك، فكيف بأنظمتنا في واقعنا المعاصر وهي تستحلّ مخالفة أمر الله في سائر شئونها العامّة والخاصّة، ولا تُبقي للدين إلا جانبَ الشعائر والعبادات؟! كيف بها وهي تهدر سيادة الشريعة الإسلامية ابتداءً وتعلى عليها سيادة القوانين الوضعية؟ كيف بها وهي تردُّ الأمرَ ابتداءً إلى كتاب غير القرآن وإلى دين غير دين الإسلام؟ بل كيف بمن يقيمون من أنفسهم في المجالس التشريعيّة حَكمًا أعلى يهيمن على الكتاب والسنّة، فيقرُّ من أحكامهما ما يشاء، ويلغي من أحكامهما ما يشاء، ويرجىء من تطبيق أحكامهما ما يشاء، ويقدّم إلى العمل من أحكامهما ما يشاء؟!
أرأيتم رحمكم الله كيف كانت الربوبية في بني إسرائيل؟ ألا إنهم لم يصلوا لأحبارهم ولم يسبحوا بحمدهم من دون الله، ولكن اتبعوهم في ما حلّلوا وحرَّموا على خلاف حكم التوراة، فتركوا تحليل الله وتحريمه إلى تحليل هؤلاء وتحريمهم فاتَّخذوهم بذلك أربابًا من دون الله، ولهذا قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} . أي الذي إذا حرَّم الشىء فهو الحرام، وما حلّله فهو الحلال، وما شرعه اتُبع، وما حكم به نُفِّذ.
فتأملوا رحمكم الله مناط الشرك في هذه الآيات وقارنوا بينه وبين ما يجري عليه العمل في واقعنا المعاصر، لقد استبدلنا أعضاء البرلمان ومجلس الشورى والمجالس النيابيّة والهيئات التشريعيَّة، بالأحبار والرهبان، فتركنا تحليل القرآن وتحريمه إلى تحليل البرلمان وتحريمه، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، والقانون هنا ليس الوحي المعصوم، ولكنه الصادر عن البرلمان فهو المحرَّم. وما أباحه فهو المباح. وما تركه فهو المعفو المسكوت عنه، وما اعتمده من العقوبات فهو المشروع المقرّر، وما لم ينص عليه منها فهو الباطل المنكر. وهكذا تحيا خُلوف [2] المسلمون!!
(1) أضواء البيان للشنقيطي.
(2) جمع خَلَف.