إن هذا هو الإطار الصحيح الذي يجب أن تعرض فيه هذه القضية حتى تقام بها الحجة على الكافة، وإن أية محاولة لعرضها خارج هذا الإطار تمييع لها وغضٌّ من قيمتها وتمهيد السبيل للفتنة عنها والمساومة فيها.
إن أنكى ما ابتليت به قضية تحكيم الشريعة في السنوات الماضية أنها لم تكن دائمًا في هذا الإطار الذي تتبوَّأ به منزلتنا من الدين كما أرادها الله- عز وجل- وإنما قُدِّمت في الأعم الأغلب في إطار جزئي منقوص الأطراف فتمهد السبيل للطَّعن فيها والتشكيك في صلاحيتها، والقابلية للمساومة فيها.
وقد ترتب على ذلك من الوهن والتخاذل في نصرة هذه القضية ما قرَّت به عيون الخصوم، واطمأنت به جنوبهم إلى المضاجع، وهم يرون من أبناء الإسلام من يعمل فكره وقلمه في التشكيك في صلاحية الشريعة للتطبيق، ويجتهد في فتنة الناس عنها، ودمغ دعاتها بالتُهم والمناكر فلا ملجأ إذن ولا نجاة لأهل العلم إلا بالبيان والصَّدع بكلمة الحق وإقامة الحجَّة بها على الكافة وإبراء الذمة بنصح الأمة حكامًا ومحكومين ليهلك من هلك على بينة ويحيا من حيى على بينة كما قال تعالى {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} . (الجن22 - 23)
وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . (البقرة174)
وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} . (البقرة160)