يقول ابن كثير يرحمه الله:-
"هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله"
ومن ناحية أخرى فقد حملت إلينا أوثق دواوين السُنة المطهَّرة قول النبي، - صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة! قلنا لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) . [1] "
والمقصود بأئمة المسلمين في هذا الحديث هم الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات، فهذا هو المشهور في بيان المراد بأئمة المسلمين في هذا الحديث، كما حكاه النووي والخَّطابي وغيرهم من أهل العلم [2] ، فكل من وُلي أمرًا من أمور المسلمين صَغُرَ هذا الأمر أو كَبُرَ، فهو داخل في مدلول هذه الكلمة.
ومن النصيحة لهم إعلامهم بما غفلوا عنه من الحق، وتذكيرهم به، وإعانتهم عليه، وطاعتهم فيه.
أما النصيحة للعامة فتتمثل في إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وكف الأذى عنهم، وذلك بإعلامهم بما جهلوا من أمر دينهم وإعانتهم عليه إما بالقول أو بالفعل وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والذبّ عن أموالهم وأعراضهم وتنشيط هممهم إلى الطاعات، وستر عوراتهم وسدّ خلاّتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم، وأن يحبُّ لهم ما يحبّ لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه.
من أجل ذلك نتقدم إلى جماهير المسلمين بهذه الرسالة حتى يضعوا هذه القضية في إطارها الصحيح ويدركوا صلتها بالتوحيد الذي لا يثبت عقد الإسلام إلا به، ليهلك من هلك على بينة ويحيا من حيى على بينة، والتي نرجو من كل مسلم أن يقرأها بتدبُّر وإمعان، وأن يُرجع البصر فيها مرات ومرات، وأن يعرض واقعه وواقع إخوانه وعشيرته على ما ورد بها من حقائق وأحكام، حتى يختار لنفسه ما تبرأ به ذمته، وتسلم به عقيدته، ويصحّ به إيمانه، ولا يكون ممن قال الله فيهم: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءلُونَ} . (القصص65 - 66)
وما أجمل أن يُرزق ابن آدم الذكرى قبل موته! وما أطيب أن يُلهم التوفيق والإنابة! وأن يأخذ من يومه لغده، ومن حياته لموته، من قبل أن تأتى هذه الصَّيحة، التي تأخذ الناس وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ....
(1) صحيح مسلم بشرح النووي2/ 38،39.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي.