قال ابن كثير -يرحمه الله- عما كان يحكم به التتار من السياسات الملكية (فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكم سواه في قليل ولا كثير) [1] .
ويقول في البداية والنهاية: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر, فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدّمها عليه؟ فمن فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين) [2] .
أمَّا إن قصد به المعنى الأصولي التشريعي الذي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الاقتضاء أو التخيير أو الوضع, وأريد به إصدار قواعد تشريعيَّة عامّة تبدل بها شرائع الإسلام وتكون لها السّيادة في الأمة بدلًا من سيادة الكتاب والسنة وتصبح هي المرجع في الحكم عند التنازع, ويقدم العمل بها على العمل بأحكام الشريعة المطهرة فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطًا واحدًا وتكييفًا واحدًا وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبَّة خردل, كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} . (الشورى21) .
يقول شيخ الإسلام بن تيمية: (والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًَا باتفاق الفقهاء) [3] .
وقد سبق قول ابن كثير: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر, فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدّمها عليه؟ من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين) [4] .
ولقد أدَّى اللبس في هذه القضية وعدم تحديد مناطات الحكم في صوره المختلفة إلى اضطراب كثير من أهل العلم من منتسبي الحركة الإسلامية غيرهم في تقريرها مما أتاح للمبطلين أن يجدوا من بين فرجات اختلافهم مدخلًا لهم يلبسون به على العامة, ويسبغون به الشرعية على نظم كافرة قامت يوم قامت على ردّ شرائع الإسلام واستباحة الحكم بغير ما أنزل الله وإهدار سيادة الشريعة الإسلامية وحمل الأمة كلها على تحكيم القوانين الوضعية, وذلك بإشاعة القول بأن الكفر الوارد في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . هو الكفر الأصغر الذي لا ينقل عن الملة, ويسوقون في ذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتّابعين في بيان أنه كفر دون كفر, وليس كمن كفر بالله وملائكته, فنصبح بذلك أمام خلل جزئي أو انحراف فرعي لا يبرر انعدام الشرعية ولا يسوغ الخروج.
ولقد نبه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على الطبري إلى هذا الخلل, وفصّل القول في مثل هذه الآثار فقال في تعليقه على ما أورده الطبري في تفسير قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . من قول أبي مجلز وهو تابعي ثقة لمن سأله من الاباضية عن معنى هذه الآية وأرادوا أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان, ولأنهم ربما
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 67.
(2) البداية والنهاية لابن كثير 13/ 119.
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 3/ 267.
(4) البداية والنهاية لابن كثير 13/ 119.