ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه فأجابهم أبو مجلز بقوله: (إنه يعملون بما يعملون -يعني الأمراء- ويعلمون أنه ذنب! قال: بينما أنزلت هذه الآية في اليهود والنصارى, قالوا: أما والله أنك لتعلم مثل ما نعلم, ولكنك تخشاهم! قال: أنتم أحق بذلك منا, أما نحن فلا نعرف ما تعرفون! قالوا: ولكنكم تعرفونه ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيتهم!) [1] .
يقول الشيخ محمود شاكر تعليقًا على ذلك:(فلم يكن سؤالهم عمَّا احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام, ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالإحتكام إلى حكمٍ غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه, - صلى الله عليه وسلم - , فهذا الفعل إعراض عن حكم الله, ورغبة في دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله -سبحانه وتعالى- وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه.
والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء, وإيثار حكم غير حكمه في كتابه وسنَّة نبيّه, وتعطيل لكل ما في شريعة الله, بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة, وادعاء المحتجين بذلك بأن أحكام الشريعة إنَّما نزلت لزمان غير زماننا, ولعلل وأسباب انقضت, فسقطت الأحكام كلها بانقضائه.
فأين هذا مما بيّنَّاه من حديث أبي مجلز, والنفر من الأباضية من بني عمرو بن سدوس!!) [2] .
(ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز, أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة, فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سنَّ حاكم حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها, هذه واحدة. وأخرى, أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها, فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل, فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة. وإمَّا أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة وإمَّا أن يكون حكم بها متأوّلًا حكمًا يخالفه به سائر العلماء فهذا حكمه حكم كل متأوّل يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب, وسنَّة رسول الله, - صلى الله عليه وسلم - , وأما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر, جاحدًا لحكم من أحكام الشريعة, أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام, فذلك لم يكن قطّ, فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والاباضيين إليه.
فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها, وصرفها إلى غير معناها, رغبة في نصرة سلطان, أو احتيالًا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده, فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب, فإن أصرَّ وكابر وجحد حكم الله, ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصرّ على كفره معروف لأهل هذا الدين) [3] .
(1) راجع تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر ج 10/ 349.
(2) راجع تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر (349 - 358) .
(3) المرجع السابق.