فيا جماهير المسلمين في جميع بلاد الأمة الإسلامية:
إني أعظكم بواحدة! أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا:
هل يجوز ابتداءً أن ترد الأمور في دار الإسلام إلى كتاب غير القرآن وإلى دين غير الإسلام؟
هل يجوز ابتداءً أن تخول هيئة من الهيئات أو مجلس من المجالس الحق في التشريع المطلق يحل به ما يشاء ويحرم به ما يشاء؟
هل هذه الديمقراطية التي سحرت العالم كله شرقه وغربه مع ما تتضمنه من الإقرار لممثلي الأمة بالحق في السيادة العليا والتشريع المطلق منهج إسلامي يجوز أن يقره المسلمون فضلًا عن أن يطالبوا به في حال السعة والاختيار؟! لا أحسب إلا أن أجابتكم على ذلك كله ستكون
بالنفي القاطع الجازم, لأن مقتضى توحيد الله -جلّ وعلا- إفراده وحده بالحكم والتشريع, ورد الأمور إليه وحده عند التنازع.
إذا تمهد ذلك فإننا ننتقل بكم إلى سؤال آخر:
هل يجوز والحال كذلك أن تشاركوا في مجالس اغتصبت لنفسها أمرًا هو من أخص خصائص الرّبِّ -جلّ وعلا- وأجمع صفاته؟
هل يجوز أن تتهالكوا على هيئات قامت يوم قامت على خلع الربقة وادعاء الحق في التشريع المطلق, وجعلت مما سمته (إرادة الأمة) مشرعًا من دون الله؟ لا أحسب إلاّ أن إجابتكم ستكون بالنفي المستدرك عليه بأداة الاستدراك (( ولكن ) ), ستقولون: ولكن أليس الأولى أن نوجد في هذه المواقع لتحويل اتجاهها من الشرك إلى التوحيد ومن الفساد إلى الإصلاح؟
وأنا أجيبكم على ذلك كله بأن عليكم أن تدركوا أن هذا هو مبرر وجودكم في هذه المواقع -إن كان هناك مبرر- والمدخل الوحيد إلى الترخص في التحاقكم بها -إن جاز الترخص- وإلا لزمكم إثم المشاركة في هذا الباطل وأصابكم كفل من وزره, وأنتم تقرأون في القرآن الكريم قول الله -جلّ وعلا-: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} . (النساء140) .
وتقرأون قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . (الأنعام68) .
لقد سجَّل التاريخ مما سجل موقفًا للأستاذ حسن الهضيبي عندما عرض مشروع الدستور المدني عام 1948م للمناقشة في مجلس الأمة: فاعترض - يرحمه الله - على المشاركة في المناقشة ابتداءً وقال: (إن خطأ هذا القانون وصوابه عندي سيان لأن اللجنة التي قدمته لم ترد الأمر ابتداءً إلى كتاب الله وسنة رسوله وما حمل عليهما بطريق الاجتهاد, ولكنها ردته إلى أكثر من عشرين تقنينًا وضعيًّا اختارت منها هذا النسيج المهلهل فتجاوزت بذلك الأصل المحكم الذي لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتجاوزه, وهو ردّ الأمور عند التنازع إلى الله والرسول, وإن لم يفعل ذلك - كما يقول ابن كثير - فليس بمؤمن بالله ولا باليوم الآخر) .
أرأيتم كيف عرف هذا الشيخ الجليل حقيقة دوره في هذه المجالس ومبرر وجوده بين أصحابها؟