الصفحة 46 من 56

وقال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} . (آل عمران28) .

وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . (المجادلة22) .

وقد شدّد القرآن الكريم النكير على الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين بأن تبرأ منهم {فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} . وجعلهم منهم {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} . وأخبر أن مثل هذه الموالاة أو الموادة لا تجتمع مع الإيمان بحال {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء} .

يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} . (وهذا نهي من الله _ عزّ وجلّ _ للمؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا ولذلك كسر(( يتخذ ) )لأنه في موضع جزم بالنهي ولكنه كسر الذال منه للساكن الذي لقيه وهي ساكنة.

ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم فإنه من يفعل ذلك {فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} . يعني فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر, {إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل) [1] .

ويقول في تفسير قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} . (من تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنهم منهم, أي من أهل دينهم وملتهم, فإنَّه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض, وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه) [2] .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . الآية (أخبر الله أنك لا تجد مؤمنًا يوادّ المحادين لله ورسوله, فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر, فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله. فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب) [3] .

ولقد فقه الرعيل الأول من أصحاب رسول الله , - صلى الله عليه وسلم - , حقيقة الولاء والبراء فزخرت حياتهم بالصحائف المشرّفة والمواقف الخالدة التي علمت البشرية كيف ينتصر الولاء للإسلام على كل ما حفلت به الدنيا من الجواذب والمغريات.

* فهذا هو الصحابي الجليل كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا يهجره النبي , - صلى الله عليه وسلم - , ويأمر بهجره, ويعيش بين المسلمين على الحال التي وصفها الله في القرآن حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ

(1) تفسير الطبري 3/ 228.

(2) المرجع السابق 6/ 277.

(3) مجموع الفتاوى 7/ 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت