مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ. ثم يأتيه في غمرة هذه المحنة كتاب من ملك غسان يدعو فيه إلى أن يلحق به ليواسيه ويرفع عنده ما يكابده من هوان وضيعة, فما كان من الصحابي الجليل إلا أن أحرق هذه الرسالة في التنور, وقال: وهذه أيضًا من البلاء!!
* وهذا الصحابي الجليل أبو عبيدة _ رضي الله عنه _ يقتل أباه يوم بدر لما استحب الكفر على الإيمان, ولم تمنعه صلة الأبوّة من أن ينتصر منه لله ولرسوله وللمؤمنين.
* وهذا هو الصحابي الجليل مصعب بن عمير يمر يوم بدر على نفر من الصحابة يأسرون أخاه عزير بن عمير فيقول لهم شدّوا وثاقه جيدًا فإن أمه غنية, ويبادره أخوه متعجبًا (( أهذه وصاتك بي ) )فيقول: إنهم إخوتي دونك!!
* وهذا هو الصحابي الجليل زيد بن الدثنة بعد أسره في حادثة الرجيع يشتريه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف, ويُقَدَّم هذا الصحابي الجليل إلى القتل صابرًا محتسبًا, فيبادره أبو سفيان بن حرب بهذا السؤال: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك. قال زيد: (والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي فقال: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا, ثم قتلوا زيدًا رضي الله عنه) [1] .
* وهذا هو الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول يأتي إلى النبي , - صلى الله عليه وسلم - , وقد قال أبوه قولته الفاجرة: (( ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ). ويعرض على النبي , - صلى الله عليه وسلم - , أن يأمره فيأتيه برأس أبيه إن كان مزمعًا قتله! ويقف على باب المدينة شاهرًا سيفه ليمنع أباه من دخول المدينة حتى يعلم من هو الأعز ومن هو الأذل, ولم يمكنه من الدخول حتى جاء إذن رسول الله , - صلى الله عليه وسلم -.
(1) البداية والنهاية لابن كثير 4/ 64 ,65.