الصفحة 48 من 56

إنَّ هذه المواقف وأمثالها غيض من فيض, وإن كتب السيرة حافلة بالأمثلة والأعاجيب!!

هذا ولقد حرص أعداء الله على إضعاف مفهوم الولاء والبراء في حياة الأمة الإسلامية وكسر الحاجز النفسي بين المسلم والكافر, وبعث قيم جديدة يعقد على أساسها الولاء والبراء لتكون بديلًا عن الإسلام فظهرت دعوات القومية والوطنية والإنسانية وأخيرًا الزمالة بين الأديان حتى يتذبذب المسلم بين ولائه لدينه وبين ولائه لهذه المفاهيم الجديدة ويذهب تميزه بإسلامه واستعلاؤه بعقيدته فيمتهد بذلك سبيل إلى غزوه فكريًّا وحضاريًّا وعسكريًّا إذا لزم الأمر فلا يجد منه أعداء الله إلا مسخًا مشوّهًا لا يعول عليه في حراسة دين ولا في سياسة دنيا.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يقول أحد المستشرقين: (إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام, ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه ولكنه يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات) [1] .

ولم يكن غريبًا أن تؤتي هذه الدعوات الخبيثة أكلها في تمزيق دولة الخلافة, فتنشأ حركة التتريك في تركيا وهي حركة تتبنى الدعوة إلى عقد الولاء والبراء على أساس القومية الطورانيَّة, واتخذت من الذئب الأغبر شعارًا لها, والذئب الأغبر هو معبود الأتراك قبل أن يعرفوا الإسلام!!

ولم يكن غريبًا أن تنشأ بالمقابل حركة القومية العربية التي تدعو إلى الانفصال عن تركيا وإقامة الولاء والبراء على أساس العروبة, وبلغ الأمر الذروة عندما قاد لورانس ذلك الغربي الكافر الجيوش العربية فيما سمّي بالثورة العربية الكبرى ضد الخلافة العثمانية وانضم العرب إلى جيوش الحلفاء ضد دولة الخلافة تحت قيادة جاسوس كافر!! وانفصلوا بذلك عن بقية إخوانهم المسلمين, وأصبحوا يرون في كل تجمع يقوم على أساس العقيدة والدين بقية من بقايا الرجعية, وأثرًا من آثار التخلف!!

فماذا كانت نتيجة هذه النزعات العرقية الجاهلية؟ لقد سقطت دولة الخلافة وانفرط عقد الأمة الإسلامية, وبعد أن كانت تركيا باسم الإسلام تخيف جارتها روسيا, وظلت لعدة قرون تدير رحى الحرب داخل الأراضي الروسية أصبحت دويلة كادحة تتسول سلاحها من الغرب وتقبع مرعوبة في أقل من 10% من حدودها الأولى!

ولم يكن العرب أحسن حظًّا من تركيا بعد أن هاجت العصبية للعروبة في دمائهم, وحاربوا الأتراك المسلمين مع انجلترا الكافرة تحت قيادة ذلك الجاسوس الكافر, فقد أصبحوا أذلاء في بلادهم لا يطمعون أن يأمنوا فيها إلا بحبل من الغرب أو حبل من الشرق, واستطاع حفنة من اليهود أن يقهروا جيوش العروبة وأن يمرغوا كرامة هذه الأمة في التراب. وصدق الله العظيم {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} !

(1) الولاء والبراء في الإسلام لمحمد القحطاني 416.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت