الصفحة 49 من 56

أيها المسلمون:

إن قضية الولاء والبراء من القضايا التي تراكمت عليها الأتربة بكيد وتدبير من أعداء الله حتى لا تتحرك الحمية الإسلامية في نفوس المسلمين لأن في ذلك الخطر الحقيقي على مخططاتهم ومطامعهم في هذه الأمة, وقد استنفر من أجل إماتة هذه القضية أقلام المستشرقين وصنائعهم من المستغربين وأنشئت لها الجامعات والمدارس التبشيرية وسخرت لها كافة أجهزة الإعلام الرسمية والغير رسمية, والنتيجة كما رأينا: أجيال مبتورة الصلة بأبسط حقائق الإسلام, ما تجهله من الإسلام أضعاف أضعاف ما تعرفه عنه, وما تعرفه منه مشوه مدخول, تتغنى بأمجاد الأوربيين, وتنادي بأتباع سنتهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع, يقود جيوشها جاسوس كافر لتحارب مع جيوش الحلفاء دولة الخلافة, وتبعية مهينة للشرق أو للغرب, وقابلية للغزو الفكري والحضاري بمختلف فنونه ووسائله, ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أيها المسلمون:

قد تسألون الآن عن علاقة هذا بموضوعنا الأصلي وهو معركة تحكيم الشريعة؟

والجواب على ذلك: أنه لا يثبت في هذه المعركة ولا ينهض بتبعاتها إلا من رسخت في قلبه حقائق الولاء والبراء, فوالى في الله, وعادى في الله, وأحب في الله, وأسخط في الله, فلم يتخذ بطانة من دون المؤمنين, ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة, ولم يوال من حاد الله ورسوله ولو كان ذا قربى, ولم يلق بالمودة إلى عدو من أعداء الله مهما تراءى له في ذلك من الحظوظ العاجلة والمتاع القريب.

إن المسلم في سيره على درب الجهاد يقعد له الشيطان كل مرصد, ويلوح له بمفاسد تلحقه في نفسه وماله وولده بسبب إصراره على هذا الجهاد, ويزين له المهادنة بل والمداهنة مع الخصوم حتى لا تصيبه دائرة أو طمعًا في أن ينال من خصومه لعاعة من الدنيا أو يكف عن نفسه بأسهم, وتظل هذه الجوانب تفعل فعلها في نفس المسلم حتى تزل به القدم, ويستدرج إلى إلقاء السلم والتخلي عن المعركة, فيبدأ في المساومة ويبيع قضيته جزءًا بعد جزء بعرض من الدنيا! والمعصوم من عصم الله.

قد ترون في طريقكم أن أسباب القوة كلها بيد خصوم الشريعة فهم الذين يملكون القرار لأنهم الأغلبية, وهم الذين يملكون المال والإعلام والقوة الباطشة لأنهم الدولة, وهم الذين يملكون قضاء حوائج الناس لأن مقاليد الأمور في أيديهم, وقد يوئْيِسْكُم ذلك من مواصلة السير في نصرة الإسلام والمحاماة عن الشريعة, وقد تجدون من علماء السوء من يزين لكم السكوت والمداهنة ويسبغ لكم على تلبيساته شرعية زائفة .. فاحذروا هذه المزالق, واثبتوا على الحق الذي شرّفكم الله بالانتساب إليه وأعزّكم برفع لوائه, واعلموا أن القوة لله جميعًا, وأن الله منجز وعده, وناصر جنده, وأن كل ما على الأرض من متاع وزينة لا يساوي غمسة واحدة في غمرات جهنم وأن واجب المسلم في جميع هذه المواقع هو الانتصار للشريعة والصدع بكلمة الحق فإن تخليتم عن ذلك بل إذا استدرجتم إلى شيء من الاعتراض على الشريعة والمشاركة في تعطيلها فقد بؤتم بخسارة الدنيا والآخرة, وتلبستم بعمل من أعمال الكفر الأكبر!

ومن ناحية أخرى فإن أهمية هذه القضية تبدو في التخطيط الاستراتيجي لهذه المعركة ومعربة مواقع الناس منها قربًا وبعدًا وموالاة ومجافاة, حتى ترسم خريطة العلاقات مع الآخرين رسمًا دقيقًا على أساسها؛ فلا يوالي أعداء الله, ولا يتحالف معهم تحالفًا يخترق به الصف الإسلامي وتنكشف به عورات المسلمين, وفي التاريخ عبرة ومنهاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت