"وهذه الآية {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} والآية {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ، اتخذها اللاعبون بالدين في هذا العصر -من العلماء وغيرهم- عدتهم في التضليل بالتأويل، ليواطئوا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون الناس بتسميته (النظام الديمقراطي) فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعارًا من هاتين الآيتين، يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنتسبة إلى الإسلام يقولون كلمة حق يراد بها باطل، يقولون الإسلام يأمر بالشورى, ولكن أي شورى يأمر بها الإسلام؟ إن الله سبحانه يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ومعنى الآية واضح صريح لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل فهو أمر للرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده أن يستعرض آراء الصحابة الذين يراهم موضع الرأي الذين هم أولو الأحلام والنهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق ثم يختار من بينها ما يراه حقًّا أو صوابًا أو مصلحة، فيعزم على إنقاذه، غير متقيد برأي فريق معين، ولا برأي عدد محدد، ولا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه."
ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمشاورتهم ويؤتى به في من يلي الأمر من بعده هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله المتقون لله المقيمون الصلاة والمؤدون الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى". ليسوا هم الملحدين ولا المحاربين لدين الله والفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أن لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدم شريعة الإسلام.
هؤلاء وأولئك - من بين كافر وفاسق - موضعهم تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء. والآية الأخرى آية سورة الشورى - كمثل هذه الآية وضوحًا وبيانًا وصراحةً: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} . ثم هي ما كانت خاصة بطرق الحكم وأنظمة الدولة, إنما هي في خلق المؤمنين