"... أن الرد إلى غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند التنازع شر محض, أسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة عكس ما يقوله المنافقون وعكس ما يعليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم, بل ضرورتهم إلى التحاكم إليه, وهذا سوء ظن صرف بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله, والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع, وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن هذا لازم لهم, تأمل أيضًا ما في الآية الثانية من العموم, وذلك في قولة تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} , فإن اسم الموصول مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم, وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع, كما أنه من ناحية القدر, فلا فرق هنا بين نوع ونوع, كما أنه لا فرق بين القليل والكثير, وقد نفى الله الإيمان عمن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين, كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] , فإن قوله عز وجل: (يَزْعُمُونَ) تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان, فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم, مع الإيمان في عبد أصلًا, بل أحدهما ينافي الآخر" [1] .
فقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} [النساء: 60] أي يدعون، ثم قال الله بعد ذلك: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} , لم يقل الله: أنهم تحاكموا إلى الطاغوت واستمرؤوا ذلك، واتبعوه، واتخذوه دينًا, وألزموا الناس به, وردوهم إليه بالقوة, بل قال: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} ، ويستسيغون ذلك, ويرون أنه لا بأس به.
كأنهم في أول طريق التحاكم, ومع ذلك نفى الله عنهم الإيمان, ووصمهم بما وصمهم به, بمجرد أنهم يريدون.
وهنا يتبين أن الأمر يتعلق بالإرادة, فإن الإنسان قد يكفر وإن لم يفعل الكفر, فإذا أراد الإنسان الكفر فإنه يكفر بذلك إذا استحله" [2] ."
(1) - رسالة تحكيم القوانين للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ. مفتي الديار السعودية.
(2) - شرح رسالة تحكيم القوانين, شرح د. سفر الحوالي صـ 18ــ19.