فلو قال إنسان: نحن نريد أن نتحاكم إلى التوراة في بلد من بلاد المسلمين، هذا الرجل كافر مرتد، لأنه يريد أن يحكم بشريعة منسوخة، ... إذن حكم التوراة أخف ضررًا من أن يكون إلى شرائع وضعية، وضعها بشر من عند أنفسهم مثل نابليون وأمثاله، فهم لا يرون أن الفواحش فواحش، ولا يرون أن الربا ربا، ولا يرون أن البيوع المحرمة محرمة، ولا شيء من ذلك" [1] ."
وهذه الجريمة والجرائم السابقة تشمل النظام الوضعي كله ولكنها أشد في حق رئيس النظام والسلطة التنفيذية وخاصة رئيس الوزراء, ووزير العدل, ووزير الداخلية, والمشرعون من أعضاء مجلس الشعب, ولجان صياغة القوانين, والقضاة, ورجال النيابة, وأعضاء السلطة القضائية، ومن يقوم على تنفيذ القانون, ومن يدافع عنه ويحميه من شرطة وأجهزة أمنية, وبخاصة من يعمل بطريق مباشر لتنفيذ هذه الجرائم مثل وحدة تنفيذ الأحكام وشرطة المحاكم ومصلحة السجون, ومن يدعو لذلك ويزينه ويلبس على الناس الحق مثل علماء السوء وأتباع الحكام السلاطين [2] ، والكتاب والمفكرين العلمانيين [3] .
(1) - رسالة تحكيم القوانين الوضعية للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - شرح د. سفر الحوالي
(2) - يقول الأستاذ محمود شاكر في الرد على من يحتج بآثار ليقول أن الاستبدال الذي يجري في عصرنا هو كفر دون كفر:"فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة سلطان، أو احتيالًا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله، ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين" (تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر(349 - 358) نقلًا عن كتاب تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين د. صلاح الصاوي).
(3) 2 - وهذه الواقعة تبين بعض هذه الفئات - ونذكر هذه المقدمة توضيحًا لفعلهم فمعلوم أن النظام في مصر نظام علماني يحكم بقانون وضعي رغم وجود نص أجوف في الدستور في المادة الثانية ما نصه (الإسلام دين الدولة ... ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) ورغم ما في النص من الخروج الصريح على الدين والشريعة الإسلامية حيث جعل مبادئ الشريعة مثل: (العدل والمساواة وهي أمور عامة غير محددة بدقة) ولم يجعل أحكام الشريعة (المحددة المنضبطة الواجبة التنفيذ) هي المصدر الرئيسي للتشريع مما يعني أن هناك مصادر أخرى يستمد منها التشريع بالإضافة لهذا المصدر. هذا بالإضافة لجعل هذا النص مخاطبًا للمشرع المصري عند وضعه لقوانين جديدة وليس للقوانين القائمة والتي تغطي كافة أوجه الحياة والنشاط وجعل ذلك موجهًا للمشرع وليس للقاضي الذي يحكم في الوقائع كما حدث عندما قام القاضي (محمود عبدالحميد غراب) بالحكم بجلد شارب الخمر طبقًا لأحكام الشريعة, فتم إبطال الحكم ومعاقبة القاضي وإقصاؤه عن العمل بالقضاء ووجه له مأخذ قضائي جاء فيه:"ويؤخذ على هذا الحكم: إنه لما كان المقرر أنه لا عقوبة إلا بناء على قانون ولا عقاب إلا عن الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون وأن العقوبة قد تم حصرها وليس من بينها ما قضى به الحكم بجلد المتهم فإنه يكون قد خالف القانون مما يصمه بالبطلان"
وكما كتب المستشار سعد العيسوي رئيس محكمة استئناف الإسكندرية في جريدة الأخبار بتاريخ 19/ 4/1982 تعليقًا على هذا الحكم ما جاء فيه:"أولًا إن من كتبه وقضى به ونطق به حنث بيمينه القضائية وهو يمين يتعين على كل من يتولى وظيفة القضاء أن يقسمه .. هذا اليمين نص عليه في المادة 71 من قانون السلطة القضائية ونصه: (أقسم بالله العظيم أن أحكم بين الناس بالعدل وأن أحترم القوانين) ."
وحكم العدل واحترام القوانين يعني أن أقضي في الواقع المعروض بالعقوبة الملائمة في حدود القانون المطبق.
فقضاء هذه المحكمة بقانون آخر غير القوانين المطبقة في ذلك حنث باليمين، فما بالك بمن يخترع أو يطبق قانون يعلم أنه غير معمول به* [يقصد الشريعة الإسلامية] .
ثانيًا: إن من قضى بهذا الحكم وإن صح، فقد خالف الدستور وهو نص المادة (66) ، (ولا جريمة إلا بناء على قانون) ولا يقال في ذلك إن حد السكر شرعًا، هو الجلد، وأن الشريعة الإسلامية هي الأولى بالتطبيق - ذلك لأن المشرع وحتى الآن يطبق قوانين مكتوبة ومقررة، وليس للقاضي أن يعمل غيرها من لدنه مهما اختلف مع معتقده الديني أو السياسي وأفصح المشرع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني بأن القاضي يطبق القانون، فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة طبق العرف، وإن لم يجد طبق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن لم يجد طبق القانون الطبيعي وهو قواعد العدالة"."
وجاء في جريدة الأهرام بتاريخ 2 فبراير 2007 مقال بعنوان أثر الشريعة الإسلامية في الدستور للمستشار طه الشريف النائب السابق لرئيس محكمة النقض وجاء فيه:"انتهى القضاء العالي (النقض والدستورية) إلى القول بأن حكمه موجه إلى المشرع وليس إلى سلطة القضاء" [يقصد المادة الثانية من الدستور] بمعنى أنه يجب على القاضي أن يطبق النص التشريعي المدون في القانون ولو كان يخالف أحكام الشريعة ما لم تتم إحالته إلى المحكمة الدستورية.
كما أن النص لا يسري على التشريعات السابقة على صدور التعديل (1980) فضلًا عن أن المشرع لا يتقيد بالنصوص الدينية التي لا تتضمن تشريعًا كالمبادئ الأخلاقية أو الدينية أو التوجهات والوصايا أو غيرها الواردة بالكتاب والسنة، كما أن الآراء الفقهية أو ما يسمى بالفقه الإسلامي ليس لها حجية على المشرع ..
.ورغم تضمين الدستور لحكم المادة الثانية فإن حقيقة الأمر أننا لا نجد صدى لأحكام الشريعة الإسلامية في التشريع المصري فقانون العقوبات لا يأخذ بمبدأ الحدود في الشريعة، ونعتقد أنه لن يفعل ذلك مستقبلًا والقانون التجاري يناقض الشريعة لأنه يأخذ الفوائد التي تعتبرها الشريعة ربًا محرمًا، والقانون المدني لا يأخذ إلا باليسير من أحكام الشريعة كأحكام الشفعة، والمريض مرض الموت، ومن ثم كاد ينحصر تطبيق الشريعة على الأحوال الشخصية بالنسبة للمسلمين ...
وفي تقديرنا أن نص المادة الثانية من الدستور يتناقض مع مبدأ المساواة ومبدأ المواطنة، إذ لا يجوز أن تطبق شريعة المواطنين على مواطنين آخرين قسرًا عنهم"."
وكما جاء في حكم قضية تنظيم الجهاد عندما أراد القضاة أن يحكموا الشريعة وأعربوا عن إيمانهم ورغبتهم في ذلك ولكنهم أعلنوا أن ذلك لا يسعهم قانونيًّا. كما جاء في حيثيات الحكم: (إنه أمر لا جدال فيه أن هذه المحكمة ملزمة قانونيًّا بتطبيق القوانين الوضعية وأنها وإن كانت قد انتهت في الحقيقة الأولى التي استقرت في ضميرها إلى وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية إلا أنه إزاء هذا فإن المحكمة ملزمة قانونًا بتطبيق القوانين الوضعية) . ورغم هذه المخالفة الصريحة للشريعة الإسلامية والخروج عن دين الله فحتى هذا النص الهزلي وهذا الوضع المزري لم يرق لبعض العلمانيين حيث قاموا بإصدار رسالة من مركز القاهرة لحقوق الإنسان للرئاسة المصرية تطالب بإلغاء هذا النص كما ورد بجريدة الشرق الأوسط عدد (10325) بتاريخ 16/ 2/1428 الموافق 6/ 3/2007:"أن النص على دين محدد للدولة يخل بالموقف الحيادي المفترض للدولة إزاء مواطنيها الذين ينتمون إلى أديان متعددة لا يذكرها الدستور المصري .. وأضاف أصحاب النداء في بيانهم: إن الدستور لم ينص على وجود مصادر أخرى للتشريع سوى مبادئ الشريعة الإسلامية، وهو ما يعد -حسب وصفهم- انتكاسة خطيرة لمبدأ المواطنة والدولة المدنية ويميل بمصر نحو الدولة الدينية".
وكما جاء في تقرير جريدة البديل في 14/ 3/2008 ونقلت ذلك جريدة الشرق الأوسط (العدد 10733) (يوم الخميس 11 ربيع الآخر 1429، 17 إبريل 2008) بخصوص مشاركين في مؤتمر (مصريون ضد التمييز) يطالبون بإلغاء خانة الديانة والمادة الثانية من الدستور.