الصفحة 45 من 131

فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرَّم الله، شركًا به سبحانه، وكذلك من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله؛ لقول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] .

وعند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عديّ بن حاتم الطائي -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، لسنا نعبُدُهم، قال: (أليسَ يُحلّون لكم ما حرَّم الله فتُحلّونه، ويحرمون ما أحلّ الله فتحرمونه؟!) قال: بلى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتلكَ عبادتُهم) [1] .

فصارت طاعتُهم في التحليل والتحريم من دون الله عبادة لهم وشركًا، وهو شركٌ أكبرُ يُنافي التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله [2] ، فإنّ مِن مدلولها: أنَّ التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى، وإذا كان هذا فيمن أطاع العلماء والعُبَّاد في التحليل والتحريم الذي يخالف شرع الله، مع أنهم أقرب إلى العلم والدين، وقد يكونُ خطؤهم عن اجتهاد لم يصيبوا فيه الحق، وهم مأجورون عليه، فكيفَ بمن يُطيعُ أحكام القوانين الوضعية التي هي من صنع الكفار والملحدين، يجلبها إلى بلاد المسلمين، ويحكم بها بينهم؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

إنَّ هذا قد اتخذ الكفار أربابًا من دون الله، يُشرِّعونَ له الأحكام، ويبيحونَ له الحرام، ويحكمون بين الأنام." [3] "

"الحكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله، فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكم القوانين الوضعية بدلًا من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، حتى لو قال أن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله ..." [4]

(1) - رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما.

(2) - راجع فتح المجيد.

(3) - كتيب (كتاب التوحيد) للشيخ صالح فوزان الفوزان.

(4) - إجابة الشيخ عبد العزيز بن باز مجلة الدعوة العدد 163 في 5/ 2 /1405 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت