"إن من عدل عن شرع الله إلى شرع غيره فقد عدل بشرع الله شرعًا آخر، ومن ثم عدل بالله آلهة وأربابًا آخرين ... لأن الشرع ابتداءً خالص حق الله، باعتباره من خصائص الربوبية والألوهية، كذلك من لم يعدل عن شرع الله كله ولكن عدل فيه!! ذلك أنه لا يملك التعديل إلا سلطة في نفس المستوى أو سلطة أعلى، فمن فعل ذلك فقد جعل نفسه ندًّا لله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا."
فالتحريم والتحليل اللذان أشارت إليهما الآيات الكريمة يتخذ صورة العدول أو التعديل، فمن عدل عن تحريم الخمر إلى إباحتها فقد أحل ما حرم الله، ووقع في الكفر والشرك، كما يكون العدول صريحًا، بأن يقال عن الحرام حلال فإنه يكون ضمنيًّا بتغيير وصف الحكم من الحرام إلى الحلال، ففي مثل الخمر جاء تحريمها بالنص والإجماع فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من العقاب فقد غيرت وصف الحكم وجعلته مباحًا، والمباح أحد أقسام الحلال، ومن ثم فإنها تكون بذلك قد أحلت ما حرم الله.
كذلك الزنى حرمته الشريعة بالنص والإجماع, فإذا جاءت نصوص خالية من النص على العقاب عليه ولو في بعض الأحوال, فإنها تكون قد أباحته في هذه الحالات، أي تكون قد أحلت ما حرم الله، هذه صور من العدول.
أما صورة التعديل, فإن الحكم يبقى على وصفه الأصلي فلا ينقلب من الحرام إلى الحلال ولكن مثلًا يجري التعديل في العقوبة التي وضعها الله -سبحانه وتعالى- للفعل كأن يحتفظ النص الوضعي بتحريم الفعل وتجريمه ولكنه يعدل في العقوبة المقررة له شرعًا فيجعلها الحبس بدلًا من الجلد أو الرجم.
ويمكن أن يقال إن مثل تلك النصوص الوضعية التي تتضمن تعديلًا في الحكم الشرعي تتضمن كذلك عدولًا, فإنّ وضع عقوبة مكان أخرى عدول عن العقوبة الأصلية التي شرعها الشارع الحكيم علاجًا للداء .. وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير!!