قال ابن كثير رحمه الله: (وبعث في كل أمة، أي في كل قرن [من الناس] [1] وطائفة رسولًا، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم ... إلى أن ختمهم بمحمد(الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب) [2] اهـ.
قال ابن تيمية رحمه الله: (فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يُطاع في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت) [3] .
(1) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(2) تفسير القرآن العظيم، 4/ 39.
(3) مجموع الفتاوى، 3/ 91.
وقول شيخ الإسلام رحمه الله: (يُطاع في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت) ، هي عبارة دقيقة نفيسة منه، تدل على فقه عظيم.
وللإمام ابن القيم كلامًا نفيسًا في هذا المعنى، أنقله بتمامه للفائدة، يقول رحمه الله: (أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب تعالى في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حال الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل، والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والاشتغال به، والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار، والأفضل في وقت الأذان ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن، والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بَعُدَ كان أفضل، والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال، الإشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك، والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك، والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك، والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المعين، والأفضل في العَشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء، والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته، عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك، والأفضل في وقت نزول النوازل وأذى الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه، والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من عزلتهم فيه، وعزلتهم في الشر فهي أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فهي خير من عزلتهم، فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله تعالى في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه) . [مدارج السالكين، 1/ 355 - 358] .