فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 302

-الأصل الثالث: مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص[1].

إن القاضي والمفتي وهما يقومان بتنزيل الأحكام على الوقائع لابد لهما من النظر في خصوصيات الوقائع والأشخاص، وما بينهما من فروق مؤثرة وأوصاف مقررة.

فقد يكون للشخص المتقاضي من مدعي أو مدعى عليه أو للواقعة المتنازع فيها أو لواقعة الفتوى خاصية تستدعي حكمًا لا يُطبق على نظائرها؛ لوجود وصف مؤثر متعلق بالشخص أو الواقعة استدعى المغايرة في الحكم؛ وقد أطلق عليه الشاطبي: تحقيق المناط الخاص [2] .

يدل على ذلك ما رواه سعيد بن سعد بن عبادة قال: (كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا إِنْسَانٌ مُخْدَجٌ ضَعِيفٌ, لَمْ يُرَعْ أَهْلُ الدَّارِ إِلَّا وَهُوَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ الدَّارِ يَخْبُثُ بِهَا, وَكَانَ مُسْلِمًا, فَرَفَعَ شَأْنَهُ سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (فَقَالَ: {اضْرِبُوهُ حَدَّهُ} , قَالُوا: يَا رَسُولَ

(1) أصل هذه المسألة وخلاصتها أن الله - عز وجل - لم يخلق الناس على حالة واحدة، بل خلقهم على أحوال مختلفة، وجعل لكل حالة أحكامًا تناسبها، ومثال ذلك الخمر والميتة، فإن الله - سبحانه وتعالى - قد حرمهما بنص صريح قاطع، لكنه علم أنه سيطرأ في أحوال الناس من قد يُشرف على الهلكة ولا يجد ما ينقذه غيرهما، فأباحه لمن كان هذا حاله، وكذلك الماء جعله الله - عز وجل - للطهارة، لكنه علم سبحانه أنه سيطرأ في أحوال الناس من لا يجد الماء، أو يجده مع تعذر استعماله لمرض أو حيلولة عدو أو ضيق وقت أو غير ذلك، فأجاز له التيمم، ويقاس على ذلك الكثير من المسائل التي تختلف الأحكام فيها باختلاف أحوال الناس، مع بقاء الحكم الشرعي في أصله ثابتًا مقررًا دون تغيير، ولهذا قرر الفقهاء أن الفتيا تختلف باختلاف أحوال الناس وأزمنتهم وأمكنتهم، والفقيه هو من يتمكن من فهم واقع الحالة التي تعرض له، والتنبه للفروق الدقيقة بينها وبين غيرها من الحالات التي قد تشبهها ظاهرًا، واستنباط ما يناسبها من الأحكام الشرعية.

(2) الموافقات، 5/ 23 - 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت