ما هو معلوم من التدرج في تشريع الأحكام الشرعية، كالخمر وغيره، حيث إن نزول الأحكام الشرعية لم ينزل دفعة واحدة، وإنما تدرج تشريعها حتى بلغت الصورة النهائية حين تهيأت النفوس لقبولها.
جاء عن يوسف بن ماهك عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «إِنَّما نَزَلت أَوَلَّ ما نَزَلَ سُورةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فيها ذِكْرُ الجنةِ والنارِ، حَتى إذا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ، نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ، ولو نَزَلَ أَولُّ شَيءٍ لا تَشْربُوا الخمرَ، لقالوا لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولو نَزَلَ لا تَزْنُوا، لقالوا لا نَدَعُ الزنا أبدًا» [1] .
وجه الدلالة من سياق هذا الحديث قولها رضي الله عنها: «حَتى إذا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ، ولو نَزَلَ أَولُّ شَيءٍ لا تَشْربُوا الخمرَ، لقالوا لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولو نَزَلَ لا تَزْنُوا، لقالوا لا نَدَعُ الزنا أبدًا» [2] .
قال في الفتح: (قوله «حَتى إذا ثَابَ» بالمثلثة ثم الموحدة أي رجع، قوله «نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ» أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس إلى ذلك أُنزلت الأحكام، ولهذا قالت «ولو نَزَلَ أَولُّ شَيءٍ لا تَشْربُوا الخمرَ، لقالوا لا نَدَعَها» ، وذلك لما طُبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك
(1) البخاري (4993) ، ولفظه: {إنما نَزَلَ أولَّ ما نزَلَ مِنْهُ - أي مِنَ القُرآنِ - سورةٌ مِن المُفَصَّلِ فيها ذكرُ الجنةِ والنارِ } الحديث.
(2) وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها يؤكد ما ذكره المصنف من أنه من دواعي التدرج إرادة صاحب السلطان الرفق بالناس وتهيئتهم وحسن سياستهم.