الثمرات الجنية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رفع منزلة أهل العلم، فقال: (( يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات ) ) (المجادلة:11) . و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، و على آله الطيبين، و أصحابه الكرام، حُماة السنة المقتدين، و من تبعهم و اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
و بعد، فمما لا شك فيه و لا ريب أن أعظم و أفضل و أجل العلوم بعد القرآن الكريم علم السنة النبوية و"شرف العلوم يتفاوت بشرف مدلولها، و قدرها يعظم بعظم محصولها، و لا خلاف عند ذوي البصائر أن أجلها ما كانت الفائدة فيه أعم، و النفع فيه أتم، و السعادة باقتنائه أدوم، و الإنسان بتحصيله ألزم، كعلم الشريعة الذي هو طريق السعداء إلى دار البقاء، ما سلكه أحد إلا اهتدى، و لا استمسك به من خاب، و لا تجنبه من رشد، فما أمنع جناب من احتمى بحماه، و أرغد مآب من ازدان بحُلاه" (جامع الأصول لابن الأثير 1/ 36) .
و إذا علمنا أن علم الحديث من العلوم الشرعية التي أمرنا بتعلمها و تعليمها"وجب الاعتناء به، و الاهتمام بضبطه و حفظه، و لذلك يسر الله سبحانه و تعالى أولئك العلماء الأفاضل، و الثقات الأماثل، و الأعلام المشاهير، الذين حفظوا قوانينه، و احتاطوا فيه، فتناقلوه كابرًا عن كابر، و أوصله كما سمعه أول إلى آخر، و حببه الله إليهم لحكمة حفظ دينه، و حراسة شريعته، فمازال هذا العلم من عهد الرسول صلوات الله و سلامه عليه و الإسلام غض طري، و الدين محكم الأساس قوي، أشرف العلوم و أجلها لدى الصحابة رضي الله عنهم و التابعين بعدهم و تابعي التابعين، خلفًا بعد سلف لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله عز و جل، إلا بقدر ما يحفظ منه، و لا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، و انقطعت الهمم على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، و يقطع الفيافي و المفاوز الخطيرة، و يجوب البلاد شرقًا و غربًا في طلب حديث واحد ليسمعه من روايه ..." (جامع الأصول لابن الأثير 1/ 39 - 40) .
و قد اعتنى أهل العلم في القديم و الحديث بحفظ الأحاديث و روايتها، و العمل بها، و تدوينها في كتب أطلق عليها، سنن، و مسانيد، و صحاح، و معاجم، و جوامع، و مشيخات، و أجزاء، و أمالي، و نحو ذلك. و اهتموا كذلك بالرواة و مروياتهم من حيث القبول و الرد، و قعدوا قواعد لنقد الرواة و الروايات، و ألفوا في علوم الحديث كالناسخ و المنسوخ، و المحكم و المتشابه، و أسباب