المناقشة:
يناقش هذا الدليل من أوجه:
أولا: عدم التسليم أن الإغناء يحصل بإعطائه النصاب، بل المقصد تحصيل الكفاية من الزكاة ودفع الحاجة عنه، ومعلوم أنه لو أعطي نصابا قد لا يفي بحاجته، ولا بعشر معشارها، ففرق بين الغِنى الذي يُوجب إخراج الزكاة، وبين غِنى عدم الاحتياج، فقد يكون الشخص مالكا للنصاب فتجب عليه الزكاة في هذا النصاب، ولا يمنع أن يكون مستحقا للزكاة لعدم كفاية ما يملك لدفع حاجته؛ لذلك لما سئل مالك: هل يعطى من الزكاة من له أربعون درهما؟ قال: نعم [1] .
وكان الشافعي يقول:"قد يكون الرجل بالدرهم غنيا مع كسبه، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله" [2] ، ثم عقب ابن عبد البر على هذا بقوله:"وما ذهب إليه مالك والشافعي-أي: من عدم التحديد-أولى بالصواب" [3] .
ثانيا: أنه لو أعطي تمام النصاب فإنه سينقص منه بأقل نفقة ينفقها، فيصير فقيرا ثانيةً في الحال، ويجوز له أن يأخذ ما يكمل النصاب، ودواليك، وهذا لا يتماشى مع روح الشرع، التي تحرص على ألا تعرِّض الفقير لذل المسألة.
ثالثا: أن ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: (أغنوهم عن السؤال في ذلك اليوم) يدل على أن من مقاصد الصدقة دفعَ الحاجة والإغناء في يوم وجوب صدقة الفطر، فتجب على وجه الإغناء في الزكاة السنوية، ومعلوم أن تكميل النصاب أو إعطاءَه كاملا لا يحصل به تمام دفع الحاجة، وقد لا تندفع في كثير من الأحيان إلا بأكثر من النصاب.
(1) التمهيد 4/ 98.
(2) مصدر سابق 4/ 104.
(3) مصدر سابق 4/ 119