ثالثا: أن الاستثمار إذا وقع من المالك في الأموال الزكوية، فهو نوع تصرف فيما لا يملك، حيث قد تعلق به حق الفقراء، فالمالك في هذه الحال أشبه بالمودَع، فلا يحق له هذا التصرف لتعلق حق الغير به، ولكونه على وشك الخروج من ملكه، أو هو بالفعل خارج عن ملكه.
رابعا: أن الاستثمار في الغالب يستغرق وقتا طويلا، فيخرج بالمال عما أراده الشارع من نفع حاجة الفقير الحالة، إلى محاولة لنفع فقراء فيما يستقبل، مع كون أمرهم موكولا إلى الله، على أن من استثنى بعض الأعذار اشترط أن يكون التأخير يسيرا، وهذا متعذر غالبا في الأعمال الاستثمارية.
وقد استحسن بعض أهل العلم استثناء ما إذا أذن الفقير للغني أن يستثمر له ما وجب له من زكاة، والأوْلى أن يقبضها الفقير أولا خروجا من النزاع في هذه المسألة، إذ القول بعدم جواز توكيل الفقير للغني في الاستثمار قبل القبض قول وجيه؛ وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
جاء في المغني:"قال أحمد: ولو دفع إلى أحد زكاته خمسة دراهم، فقبل أن يقبضها منه قال: اشترِ لي بها ثوبا أو طعاما، فذهبت الدراهم، أو اشترِ بها ما قال، فضاع منه فعليه أن يعطي مكانها؛ لأنه لم يقبضها منه، ولو قبضها منه ثم ردها إليه، وقال: اشتر لي بها فضاعت أو ضاع ما اشترى بها فلا ضمان عليه إذا لم يكن فرط".
قال ابن قدامة:"وإنما قال ذلك لأن الزكاة لا يملكها الفقير إلا بقبضها، فإذا وكله في الشراء بها كان التوكيل فاسدا؛ لأنه وكله في الشراء بما ليس له" [1] .
ووجه هذا القول أن التوكيل فرع عن الملك، والحق الثابت في مال الغني إنما هو للفقراء، فلم يتعين لفلان بعينه حتى يقبضَه، فإذا قبضه مَلَكه، أما قبل القبض فهو مال مستحَق لمن يوصف بالفقر، وهذا مشاع في
(1) المغني (2/ 539) .