ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه. لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسنها لهم، وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر رضي الله عنه جمع الناس عليها وندبهم إليها، فبهذا سماها بدعة، وهي على الحقيقة سنة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» وقوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر «كل محدثة بدعة» إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة. وأكثر ما يستعمل عرفًا في الذم [1] .
وبهذا يتقرر أن البدعة هي ما خالف قائلها أصول الشريعة كمخالفة الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما إذا كانت تلك الأقوال لها أصل شرعي وقد قال بها أصحاب القرون المفضلة فلا يجوز أن توصف بأنها بدعة كالقول بمشروعية دعاء ختم القرآن فإن له أصل يرجع إليه كالقياس على مشروعية القنوت في الفرائض إذا وجد السبب وكمشروعية الدعاء في الصلاة عند قراءة آية رحمة والاستعاذة عند قراءة آية عذاب. بل هناك أدلة أخرى سوف أعرضها فيما بعد إن شاء
(1) النهاية لابن الأثير 1/ 106.