فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 46

الذكر إنما هو ربط القلوب بالله، والترقي بها عبر مدارج الإيمان. وهذا إنما يتم بالتحقق والتخلق بالحقائق الإيمانية والصفات الربانية. ولا يكون ذلك إلا بالإبحار في سفائن المعنى، تركيزا على قليل الألفاظ، المكتنزة بالحقائق الروحية، والمتدرجة بالعبد تربيةً وتزكيةً في طريق السير إلى الله، بما تتيحه له من التدبر والتذكر، والتغذية الإيمانية المنقطعة النظير، التي تقوم بإعادة بناء عمرانه الروحي، وترميم حصنه النفسي. عسى أن ينجح في ابتلاءاتها في مجال التدافع الاجتماعي، والافتتان الدنيوي من أمور المال والأعمال، وسائر معارض الشهوات ومواطنها.

وعلى ذلك المنهاج كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدرب أصحابه ويعلمهم. وشواهده في السنة كثير، بل ذلك هو فعله - عليه الصلاة والسلام - في نفسه بنفسه. ويكفينا من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، من حديث أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنها أن النبي - صلى الله عليه وَسَلَّم - خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها - يعني وهي تُسَبِّحُ - ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة على حالها، فقال: (ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟) قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وَسَلَّم: (لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن:"سبحان الله وبحمده، عددَ خلقِه، ورِضَا نفسِه، وزِنَةَ عرشِه، ومِدَادَ كلماتِه!") [1]

ومعلوم أن الكثرة من ذلك تُفْقِدُ اللفظَ حقيقتَه في النفس، وتخرجه عن منهاج السنة النبوية؛ فتحتجب أسرارُه وتغيب أنواره! إذْ أن تضخيم جانب من جوانب الدين - بما يخرجه عن أصله المسنون - يؤدي قطعا إلى ضمور جانب آخر، ربما كان أوجب في الدين وأهم. والحكمةُ إنما هي إعطاء كل شيء قَدْرَهُ الذي أعطاه الشرع له.

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت