وأما النوع الثاني فهو: الذِّكْرُ الْمَعْنَوِيُّ.
وهو قائم أساسا على قصد ربط المؤمن بربه أبدًا، بالأقوال والأفعال والتروك. حيث يجتهد العبد ليحقق في كل حركة، وفي كل كلمة، وفي كل هيأة، من سائر الأفعال والتروك التعبدية التي يدخل فيها، معناها الذي شُرعت له؛ فيكون بذلك في أعلى مقامات الذِّكْرِ. ولذلك كانت الصلاة مثلا بهذا المعنى ذِكْرًا، كما في قوله تعالى: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (طه: 14) ، وكان القرآن أيضا بهذا المعنى ذِكْرًا، كما في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44) ، كما كان ترك الكبائر والموبقات - كلما عرضت للمؤمن - ذِكْرًا أيضا؛ لأن الوقوع فيها آنئذ لا يكون إلا غفلة منه عن إيمانه، وهو ضد معنى الذكر. ومثاله الواضح ما ورد في الحديث النبوي المتفق عليه، من قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن!) [1] ، وذلك لما لهذه الأفعال والتروك وأضرابها جميعا من تغذية قوية للقلب، وإمداد له بحقائق الإيمان، وهو معنى الذكر وغايته.
فإذا أُخِذَ الذِّكْرُ العددي بموازينه الثابتة في السنة الصحيحة، وطُبق على هذا الميزان، كان ذكرا معنويا أيضا، وكانت عدديته تابعة لهذا القصد. لأن الأذكار النبوية التي بنيت على أعداد معينة إنما جعلتها وسيلة لتعميق المعاني أساسًا، ولضمان تغذية القلب بها. فالأعداد فيها تابعة للمعاني والعكس غير صحيح.
وذلك هو الذكر السُّني النبوي. ولذلك ما ثبت في السنة منه إلا ما يدور على المرة الواحدة والثلاث ثم العشرة حتى المائة، على أقصى تقدير. ولم يرد ما يجاوز ذلك ليبلغ المئات بله الآلاف! إذ القصد الشرعي من
(1) متفق عليه.