ليظن أنه بالربا قد جمع وعَمَّرَ وبَنَى! ذلك ما قد يبدو له في ظاهر الأمر، لكن الله تعالى له بالمرصاد، إذ يسلط عليه من المصائب والبلايا في نفسه وأسرته وحياته، ما يجعلُ مالَه عليه شقاءً ما بعده من شقاء! وقد يُخرج له من نفسه أو أبنائه من يخرب عليه دنياه قبل آخرته! أو يسلط عليه من الأمراض الفتاكة ما يجعله يذوي شيئا فشيئا، فلا ينفعه مالُه ولا جاهه وسلطانه! أو يجعل خاتمته إلى مهانة اجتماعية، ومذلة دنيوية، تقوده إلى السجن أو إلى أي هاوية يلقى فيها حتفه! إن من حارب اللهَ خاسرٌ لا محالة! وعجيب من لا يقدر اللهَ حق قَدْرِه! (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ!) (الزمر: 67)
وما رأيت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقوبةً ولا نذارةً - بعد الشرك بالله - أشدَّ من عقوبة الربا! أوَ لا يكفي فيها أن يبوء صاحبُها بغضب الله ولعنته؟! فلا تستقيم له دنيا ولا يسعد بآخرة! تتبعه اللعنة أينما حل وارتحل! لا يقوم له شيء إلا انهار! ولا يَعْلُو له عُمْرَانٌ إلا ضربه إعصار الخراب! فماذا بعد ذلك من مصيبة وبلاء!؟
وليس عبثا أن ينطق الرسول بهذا البيان الإنذاري الرهيب في حق المرابين، مبينا مَهْلَكَةَ الربا، كم هي أشد وأخطر من غيرها! وكم هي أفظع من كثير من الكبائر والموبقات! قال عليه الصلاة والسلام: (دِرْهَمٌ رِبَا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أشَدُّ عِنْدَ اللهِ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاَثِينَ زَنْيَةً!) [1] كذا!!
وإنما العجب كل العجب! ممن يتجرؤون على الترخص - بغير موجبات شرعية - في أمْرٍ مَدَاخِلُهُ مفتوحةٌ مباشرةً على أبواب جهنم! فاقرأ هذه الآيات وتدبر! هل تجد وعيدًا أشدَّ منها! قال الله جلَّ جلالُه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ! ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ
(1) أخرجه أحمد والطبراني عن عبدالله بن حنظلة مرفوعًا. وصححه الألباني. حديث رقم: 3375 في صحيح الجامع.