الصفحة 15 من 32

للرسل عليهم السلام، وإنكار أن يكونوا صادقين وهو يحتاج إلى توكيد أكثر فجاء به بـ"إنْ" [1] .

أما عبد الظاهر الجرجاني فلم يفرق بين"إنْ"و"ما"حين تأتيان مع"إلا"ولكنه فرق بين"إنْ"..."إلا"وإنما وذلك بعد أن حدد طبيعة المخاطب الذي يتوجه إليه بالخبر المركب من النفي والإثبات وذلك حين يقول: وأما الخبر بالنفي والإثبات نحو: ما هذا إلا كذا، وإن هو إلا كذا، فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه فإذا قلت:"ما هو إلا مصيب"أو"ما هو إلا مخطئ"قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلته، وإذا رأيت شخصًا من بعيد فقلت:"ما هو إلا زيد"لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس زيد، وأنه إنسان آخر، ويجد في الإنكار أنه يكون زيدًا" [2] ."

ثم يعلق بقدر من التحليل المعنوي عميق على قوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} بقوله إنما جاء - والله أعلم- بـ إن وإلا دون إنما، فلم يقل: إنما أنتم بشر مثلنا لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرًا مثلهم، وادعوا أمرًا يجوز أن يكون لمن هو بشر، ولما كان الأمر كذلك أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعي خلافه" [3] ."

وهنا يجوز لي أن أراجع د. السامرائي في الذي ذهب إليه من أن"إنْ"آكد في الدلالة على النفي من"ما"وذلك اعتمادًا على الآيتين: {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} و {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} فقد ورد النفي بـ"ما"مع الإثبات في الآية الأولى، وورد في الآية الثانية بـ"إنْ"مع الإثبات، الأمر الذي يدحض ما ذهب إليه السامرائي من أن إثبات البشرية في الآية الأولى لا شك فيه فجاء النفي بـ"ما"لأن إثبات البشرية جاء في الآية الثانية كذلك ولكن النفي فيها جاء بـ"إنْ"مما يثبت أن لا فرق بينهما في الدلالة على النفي خاصة حين يأتي مع النفي الإثبات، بـ"إلا"فيكون المراد- وهو الأرجح - إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعي خلافه.

ثالثًا: الأدوات المشتركة في نفيها للجملة الفعلية

(1) د. فاضل صالح السامرائي"معاني النحو"1/ 234 - 235 وينظر كذلك د. حماسة"بناء الجملة العربية"ص 29.

(2) عبد القاهر الجرجاني"دلائل الإعجاز"دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط 1، 1994، ص 219 - 220.

(3) المصدر السابق، ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت