الأمرين جميعًا، وعلى أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما لا القصر ولا النسيان، ولو قيل: (لم يكن كل ذلك) لكان المعنى أنه قد كان بعضه" [1] أي أحدهما القصر أو النسيان."
من المعروف أن"كاد"من أفعال المقاربة التي"تفيد مقاربة وقوع الفعل الكائن في أخبارها. ولهذا المعني كانت محمولة على باب"كان"في رفع الاسم ونصب الخبر، والجامع بينهما دخولهما على المبتدأ والخبر، وإفادة المعنى في الخبر، ألا ترى أن"كان"وأخواتها إنما دخلت لإفادة معنى الزمان في الخبر، كما أن هذه الأفعال دخلت لإفادة معنى القرب من الخبر". [2]
"تقول: كاد زيد يفعل"أي قارب الفعل ولم يفعل إلا أن"كاد"أبلغ في المقاربة من"عسى"فإذا قلت:"كاد زيد يفعل"فالمراد قرب وقوعه في الحال إلا أنه لم يقع بعد؛ لأنك لا تقوله إلا لمن هو على حد الفعل كالداخل فيه"لا زمان بينه وبين دخوله فيه. قال الله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} (43) سورة النور ومن كلام العرب"كاد النعام يطير. [3]
هذا معنى"كاد"حين لا يدخل النفي عليها، فما معناها حين يدخل عليها النفي؟ يبدو أن المعنى مع"كاد"الداخل عليها النفي دقيق ومعقد، ولذا فقد اختلف في استنباط معناها حينئذ، وسوف أذكر على سبيل المثال لا الحصر اختلاف كل من الجرجاني وابن يعيش في فهم"كاد"وهي منفية.
يقول الجرجاني في ذلك"أنه جرى في العرف أن يقال:"ما كاد يفعل"ولم يكد يفعل"في فعل قد فعل على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد وبعد أن كان بعيدًا في الظن أن يفعله كقوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} (71) فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل:"لم يكد يفعل"و"ما كاد يفعل"أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون ولا ظن أنه يكون، وكيف بالشك في ذلك وقد علمنا أن"كاد"موضوع؛ لأن يدل على شدة قرب الفعل من المرفوع وعلى أنه قد شارف الوجود. وإذا كان كذلك كان محالًا أن يوجب نفيه
(1) عبد القاهر الجرجاني،"دلائل الإعجاز"ص 190.
(2) ابن يعيش"شرح المفصل"4/ 372.
(3) المصدر السابق، 4/ 376 - 377.