الصفحة 27 من 32

وذلك نحو: ما أنا رسمت هذه اللوحة، فإن هذا التعبير يفيد أن رسم اللوحة قد حصل ولكن لم يرسمها المتكلم بل رسمها غيره والدليل على أن اللوحة مرسومة هو الإشارة إليها. وهذا التعبير يختلف في المعنى عن قولك: ما رسمت هذه اللوحة، إذ نفي المتكلم رسم اللوحة عن نفسه وسكت عمن رسمها فقد يكون رسمها غيره، مجاهد مثلًا أو لا تكون قد رسمت أصلًا.

بناء على ذلك فـ"إذا قلت: (ما فعلته) كنت نفيت عنك فعلًا لم يثبت أنه مفعول وإذا قلت (ما أنا فعلت) كنت نفيت عنك فعلًا ثبت أنه مفعول. تفسير ذلك: إذا قلت: (ما قلت هذا) كنت نفيت أن تكون قلت ذاك، وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنه مقول وإذا قلت: (ما أنا قلت هذا) كنت نفيت أن تكون القائل له وكانت المناظرة في شيء ثبت أنه مقول."

وكذلك إذا قلت: (ما ضربت زيدًا) كنت نفيت عنك ضربه، ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك، وأن لا يكون قد ضرب أصلًا. وإذا قلت: (ما أنا ضربت زيدًا) لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب ...

وههنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق ويصير العلم به كالضرورة أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: (ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس) و (ما ضربت زيدًا ولا ضربه أحد سواي) ولا يصح ذلك في الوجه الآخر فلو قلت: (ما أنا قلت هذا ولا قاله من الناس) و (ما أنا ضربت زيدًا ولا ضربه أحد سواي) كان خلفًا من القول". [1] "

ب- وقوع"كل"في حيز النفي وعدمه:

يجوز في"كل"أن تقع في حيز النفي مرة، وأن تقع خارجه مرة أخرى، وهي تفيد في كل موضع من هذين الموضعين معنى خاصًا فـ "إذا وقعت"كل"في حيز النفي كان النفي موجهًا إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد كقولك: ما جاء كل القوم، ولم آخذ كل الدراهم، وكل الدراهم لم آخذ ... وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد". [2]

ومن البين في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"كل ذلك لم يكن"فقال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان. المعنى لا محالة على نفي

(1) عبد القاهر الجرجاني،"دلائل الإعجاز"ص 95 - 96.

(2) ابن هشام: مغنى اللبيب"1/ 218 - 219."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت