وهذه الدلالة تكون على ضربين:
1/ إذا علم حدوث الأصل نحو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} (16) سورة الأنبياء فهذا إثبات لخلق السماء والأرض ونفي اللعب ونحو قولك: ما مشى عمر على الأرض مختالًا. فإنه أثبت المشي ونفى الاختيال [1] .
2/ إذا قدم القيد على عامله: وذلك نحو: ما سعاد زرت، فإن هذا التعبير يفيد نفي زيارتك عن سعاد خاصة وإثباتها لغيرها، فالزيارة واقعة لا محالة على غير سعاد، فإذا أردت أن تعين مزورك قلت: ما سعاد زرت بل أمل فـ إذا قلت: ما زيدًا ضربت، فقدمت المفعول كان المعنى على أن ضربًا وقع منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد فنفيت أن يكون إياه .. ولا يصح أن تقول: ما زيدًا ضربت ولكن أكرمته وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك أردت أن لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك، فالواجب أن تقول: ما زيد ضربت ولكن عمرًا" [2] ."
ج/ الدلالة في الظاهر على نفي القيد والمراد نفي الأصل:
وذلك أنك تذكر كلامًا ظاهره أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي الموصوف أصلًا .. فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في وصف مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا تنثى فلتاته"أي: لا تذاع سقطاته، فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثم فلتات غير أنها لا تذاع وليس المراد ذلك بل أراد أنه لم يكن ثم فلتات فتنثى، وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية.
وقد ورد في الشعر كقول بعضهم
لا تفزع الأرنب أهوالها *** ولا ترى الضب بها ينجحر
أي: لا أرنب بها على الإطلاق فتفزعها الأهوال، وليس المقصود أن بها أرنبًا لا تفزعها الأهوال. وكذلك الشطر الثاني فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجحر وليس كذلك بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلًا [3] .
(1) د. فاضل صالح السامرائي"معاني النحو"4/ 187
(2) عبد القاهر الجرجاني"دلائل الإعجاز"ص 96.
(3) ابن الأثير"المثل السائر"دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1998، 2/ 46.