الصفحة 29 من 32

وجود الفعل؛ لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجوده وأن يكون قولك: ما قارب أن يفعل مقتضيًا على البت أنه قد فعل". [1] "

"وينبغي أن نعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: لم يرها ولم يكد، فبدؤوا فنفوا الرؤية ثم عطفوا"لم يكد"عليه ليعلموك أنه ليس سبيل"لم يكد"ههنا سبيل"ما كادوا"في قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} (71) في أنه نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون فضلًا عن أن تكون، ولو كان"لم يكد"يوجب وجود الفعل لكان هذا الكلام منهم محالًا جاريًا مجرى أن تقول: لم يرها ورآها". [2]

ثم يختم الجرجاني كلامه في هذه القضية بنص ينم محتواه عن فهم دقيق وحس لغوي مرهف وذلك حين يقول:"وههنا نكتة وهي أن"لم يكد"في الآية والبيت واقع في جواب إذا، والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل كان مستقبلًا في المعنى، فإذا قلت: إذا خرجت لم أخرج: كنت قد نفيت خروجًا فيما يستقبل، وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآية على أن الفعل قد كان؛ لأنه يؤدي إلى أن يجئ بـ"لم أفعل"ماضيًا صريحًا في جواب الشرط فتقول:"إذا خرجت لم أخرج أمس ذلك محال". [3] "

أما ابن يعيش فيعدد الآراء في هذه القضية ثم يورد رأيه الخاص وذلك حين يقول:"قد اضطربت آراء الجماعة في هذه الآية فمنهم من نظر إلى المعنى وأعرض عن اللفظ، وذلك أنه جعل الكلام على نفي المقاربة لأن"كاد"معناها، قارب، فصار التقدير: لم يقارب رؤيتها وهو اختيار الزمخشري، والذي شجعهم على ذلك ما تضمنته الآية من المبالغة بقوله: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ومنهم من قال: التقدير"لم يرها ولم يكد"وهو ضعيف؛ لأن"لم يكد"إن كانت على بابها، فقد نقض أول كلامه بآخره، وذلك أن قوله:"لم يرها يتضمن نفي الرؤية وقوله"ولم يكد"فيه دليل على حصول الرؤية، وهما متناقضان، ومنهم من قال: إن"يكد: زائدة، والمراد لم يرها وعليه أكثر الكوفيين". [4]

(1) عبد القاهر الجرجاني،"دلائل الإعجاز"، ص 185 - 186.

(2) المصدر السابق، ص 186.

(3) المصدر السابق، ص 186.

(4) ابن يعيش"شرح المفصل"4/ 384.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت