الصفحة 31 من 32

أما ابن يعيش فإني أستبعد تفسيره لآية النور؛ لأنه قد قاسها إلى آية البقرة ظنًا منه أن المعنى فيهما واحد يتمثل في أن الفعل قد حصل وكان بعد أن كاد لا يحصل أو لا يكون، والحق أن المعنى فيهما يختلف؛ ولأنه من ناحية أخرى قد ساوى بين وقوع"كاد"في حيز النفي ووقوعها خارجه وهو ظن غير صائب؛ لأن"ما كاد يفعل"أو"لم يكد يفعل"تعني ما قارب أن يفعل ومن ثم لم يفعل، وأن"كاد لا يفعل""أو يكاد لا يفعل"تعني أنه قارب أن لا يفعل ولكنه قد فعل فحين تقول - مثلًا - (ما كاد يجد ضالته) فإنك تفيد أنه لم يقارب أن يجد ضالته ناهيك عن أن يجدها ومن ثم لم يجدها أصلًا وحين تقول (كاد لا يجد ضالته) فإن المعنى على أنه قارب أن يجدها ولكنه لم يجدها، وحين تقول (كاد لا يجد ضالته) فمعنى هذا التعبير أنه قارب أن لا يجدها ولكنه قد وجدها، أما حين تقول: (كاد يجد ضالته) فإن المعنى على أنه قارب أن يجدها ولكنه لم يجدها وإذا كان الأخير يشبه في المعنى أسلوب"ما كاد يجد ضالته"فإن هذا الأسلوب أبلغ في النفي من أسلوب"كاد يجد ضالته"لأن النفي هنا نفي للفعل مباشرة.

أنهي هذا الكلام عن"كاد"بنص لعباس حسن لعله يضئ الإشكال الذي يجابه كل من يصادفها في سياق منفية كانت أو غير منفية، حيث يقول:"كاد"كغيرها من الأفعال في أن معناها ومعنى خبرها منفى إذا سبقها نفي ومثبت إذا لم يسبقها نفي، خلافًا لبعض النحاة، فمثل:"كاد الصبي يقع"معناه: قارب الصبي الوقوع، فمقاربة الوقوع ثابتة ولكن الوقوع نفسه لم يتحقق وإذا قلنا:"ما كاد الصبي يقع"فمعناه: لم يقارب الصبي الوقوع؛ فمقاربة الوقوع منفية، والوقوع نفسه منفي من باب أولى". [1] "

إلى هنا أكون قد أسهمت في تجلية أسلوب النفي بأدواته ودلالاته تجلية لا أقول إنها نهائية بل لا نهائية؛ لأن البحث عامة مشروع لا نهائي وكذلك هو البحث خاصة في أسلوب النفي إذ ما يزال في حاجة إلى الكشف ومزيد من سبر غوره بلم أشتاته في سلة واحدة على أن يجمع بين البنية الشكلية للنفي والبنية المعنوية كما حاولت في هذه الورقة البحثية التي لا تسمح - لطبيعتها - أن يحاط بالموضوع المبحوث من جميع جوانبه ولكنها تأمل في أن تكون قد فتحت الباب؛ لإعادة النظر في تراثنا النحوي بقضاياه وأساليبه، ودراسته لا دراسة شكلية عقيمة رتيبة ساكنة بل دراسة خصبة متجددة حركية حيوية ولن تكون كذلك إلا برد الاعتبار للمعنى المغيب إلى ساحة النحو العربي.

(1) عباس حسن"النحو الوافي"، 1/ 618.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت