الصفحة 2 من 50

التي نشأت وكبرت معها في قرية «مسيردة» الجبلية الساحلية المعزولة عزلًا كليًا عن العالم الخارجي، وكان لمقياس أو المعيار اللساني الفصيح من غير الفصيح، لإعلاء منزلة لغة عامية على لغة عامية أخرى، هي العربية الفصحى نفسها.

وباتخاذي مدوّنات لغويّة معاصرة لتلك التكلمات الثلاث تبيّن لي ميدانيًا أن اللغة الجزائرية كانت الأقرب دائمًا إلى العربية الفصحى منها إلى تلك التكلمات، وأن كثيرا من الألفاظ التي قد نعدها عامية ومذمومة مطَّرحة ما هي إلا ألفاظ أفصح مما قد نتصور، وأن عاميتنا الجزائرية ضاربة بجذورها في عمق الفصحى البعيد، لعوامل تحتاج إلى دراسة ميدانية مضنية لا يستطيع فرد واحد أن يقوم بها.

ونحن إذا استثنينا أسماء النبات الهائلة عندنا، والتي لا تزال تسمى بأسمائها الجزائرية الأصلية؛ والتي لا يعرفها كليًا إلا الفلاحون والرعاة والقرويون، فإن لغة التواصل العام بيننا لغة عربية فصيحة، لا يشوبها إلا تكسير في محاصيلها الصوتية، بل حتى أسماء الأماكن والقرى والجبال تتنافس فيها الفصحى والعامية جنبًا إلى جنب، ترجع إلى أسباب ثابتة ومتحركة، وإلى ما هو منعدم أصلًا في أرض مما هو موجود في أرض أخرى، وإلى ما يطفو في كل عصر من أداءات وخطابات جديدة، وفي الوقت نفسه تندثر كلمات وتراكيب قديمة لم تعد من سلوك أو احتياج المجتمع الخلف، وهذا قد يصدق على الفصحى أزيد مما ينطبق على العاميات العربية برمتها، لكون الأولى معرضة لانتهاكات لسانية وثقافية وإبداعية مستمرة، بينما الثانية عادة ما يغلب عليها الانغلاق والثبوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت