الصفحة 6 من 50

بها، ولما كان جماع اللغة ورواتها اتخذوا هذه الصفات شهادة لسانية، فقصدوا تلك الأصقاع لا يلوون على شيء للسماع والحفظ والتدوين عنها.

وكلمة الفصاحة التي لا أريد التورط في أسرها أيضًا تطلق على العربي والأعجمي سواء بسواء، لأن كليهما يفصح لك عن مراده وجهات كلامه، الأهم أن يتكلم كلامًا عربيًا سليمًا، بل قد «يجيء في الشعر في وصف العُجْم أفْصَحَ يريد به بيان القول، وإن كان بغير العربية، كقول أبي النجم:

أعْجَمْ في آذانها فصيحا

يعني صوت الحمار أنه أعجم، وهو في آذان الأُتُن فيصيح بين» 1. والأَوْلى أن تطلق فَصُح على الأعجمي حقيقة منها على الدواب مجازًا، وربما تجاوزت كلمة فصيح معناها التقليدي، الدال عادة على البلاغة والبيان وحسن مخارج الأصوات، وتقريب آخر الكلام بأوله إلى مفاهيم دلالية أخرى محال عليها في المعاجم اللغوية، ولكنا لا نقبل تلك التفسيرات الانطباعية لها، من خلال تجزئة الكلام أو الخطاب إلى جيد ورديء، وهذا موضوع آخر، وكل ما في الأمر، كما سيشار لاحقًا، أن هناك مستويات من الخطاب والتواصل بين الناس.

وليس معنى ما سبق أننا نسوِّي بين مطلع بسيط، وآخر ضليع في هذه اللغة، التي يقترب ما هو مستعمل منها من مائة ألف كلمة، وإنما الناس في ذلك صنفان: صنف شغل بفرع علم العربية سطحيًا، فلا يكاد يعرف سواه، وصنف آخر، إلى جانب اهتمامه بالفرع، شغل أيضًا بالأصل وتعمقه، ومع ذلك فإن كلام العرب أكثر من أن يحاط به فرديًا 2، وما كان أصدق الزجاجي إذ يقول: «وليس كل العرب يعرفون اللغة كلها غريبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت