كلامًا منقولًا بالمعنى من دونَ التزامِ اللفظِ، وهي (أَنَّ) ، أو لتَقُلْ: أداة نقل الكلام بالإخبارِ. ومِن تلك العبارات القوليَّة التي تَكونُ لنقلِ الكلام بالمعنى، تلك التي قاسَ عليها الناطقُ (قالَ إنَّ) قياسًا سَوِيًّا وَمُوازَنَةً كامِلَةً، فتَوَلَّدَتْ (قالَ أَنَّ) على وفاقِها: (أخبَرَ أَنَّ [1] ، ذَكَرَ أَنَّ، أَبْلَغَ أَنَّ [2] ، حَكى أَنَّ، رَوى أَنَّ، أعلَمَ أَنَّ، أنبَأَ أَنَّ [3] ، حَدَّثَ أنَّ، زَعَمَ أَنَّ، صَرَّحَ أَنَّ، أَعلنَ أَنَّ، أَوضَحَ أَنَّ، بَيَّنَ أَنَّ، أشارَ أَنَّ، أفصَحَ أَنَّ، ادَّعى أَنَّ) . ويمكن أن نُطلِقَ على هذه الأفعالِ، إضافةً إلى (قالَ) ، أفعالَ التبليغِ (أو التوصيل) الكلاميّ.
ولذلك لا أَستَحِبُّ تَخطِئَةَ ما يذهبُ إليه الناطقون بالعربيَّة اليوم مِنْ قولِهِم: (قالَ أنَّ) ، للأمر الذي بَيَّنْتُهُ، ولأمرَيْنِ آخَرَيْنِ أُبَيِّنُهُما. فما شاعَ على الألسنةِ مِن قولِهِم: (قالَ أَنَّ) - بفتح الهمزةِ- لا يتعدّى الصوابَ إطلاقًا، ذلك أنَّ الناطق بالعربيَّة اليوم لا يَسْتَخْدِمُ (قالَ أنَّ) إلا عندما يكونُ الكلام منقولًا بمعناه مُتَصَرَّفًا فيه. فهو يقولُ - مثلًا-: (قالَ أنَّه، قالت أنَّها، قلتَ أنَّكَ، قلتُ أنَّني، ... ) . والأمرُ المُخَطَّأُ - في تَصَوُّري- أنْ تُفتَحَ الهمزةُ مع إرادةِ النقلِ باللفظِ، أي إنَّ الذي لا يمكِنُ أحدًا أنْ يُجَوِّزَهُ أنْ يُقالَ: (قالَ أَنَّ) ثمَّ يُؤتى بعدُ بكلامٍ محكيٍّ حكايةً.
ويُهَيَّأُ لي - علاوةً على ما تَقَدَّمَ- أَنَّ مِمّا دَفَعَ الناطقين بالعربيَّةِ إلى إيقاعِ (أَنَّ) المفتوحةِ مَكانَ (إِنَّ) بعد فِعلِ القولِ، أَمرًا نَجِدُ لَهُ سندًا مِن مَقولاتِ النحاةِ أنفسِهِم. فقد انتهَوْا، في معرِضِ التمييز بين (إِنَّ) ورسيلتِها الأخرى، إلى عيارٍ تركيبيٍّ مُعْجِبٍ بِحَقٍّ، بِهِ يُمْكِنُ رَوْزُ التراكيبِ التي تَحضنُ كُلاًّ. فقالوا إِنَّ ما كانَ مَظَنَّةً للجملةِ وَقَعَتْ فيهِ المَكسورةُ، وما كانَ مَظَنَّةً للمُفرَدِ وَقَعَتْ فيهِ المَفتوحةُ [4] .
(1) . أو: (خبّر أَنّ) .
(2) . أو: (بلّغ أنّ) .
(3) . أو: (نبّأ أنّ) .
(4) . انظر: ابن يعيش، شرح المفصل: 8/ 60.