و {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنّي لَكُمْ نَذيرٌ مُبينٌ} [1] . إِذ المُرادُ - على التوالي-:"بِأَنّي مَغْلوبٌ، وبِأَنّي لَكُمْ نَذيرٌ مُبينٌ، ولكِنَّهُ حَذَفَ الباءَ" [2] .
وقد يُحْسِنُ إرفادَ ما نَحْنُ فيهِ، آيةٌ تَتَحَدَّثُ عن عيسى - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مَعْرِضِ بشارةٍ ساقَتْها الملائِكَةُ لمريمَ البتولِ - عليها الصَّلاةُ والسَّلامُ-: {وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ والإنْجيلَ. وَرَسولًا إِلى بَني إسرائيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .. } [3] . إِذْ لا مَحيدَ عن تَقديرِ فعلِ القولِ أو أحدِ تصريفاتِهِ قَبْلَ (أَنّي) لِيَسْتَبينَ حَدُّ القولِ، فيَكونَ - مِنْ ثَمَّ- فاصِلًا بينَ نَمَطَيْنِ كَلامِيَّيْنِ مُتَفاوِتَيْنِ، ومُؤْذِنًا بِالانتِقالِ مِن السَّرْدِ الإخباريِّ: (وَرَسولًا إِلى بَني إسرائيلَ) ، إِلى القولِ المَحكِيِّ: (أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) .
ولذلِكَ لم يَنْبُ عن سليقةِ العَلامَةِ الرازي (604 هـ) ، والحافِظِ ابنِ كثيرٍ (774 هـ) ، أَن يُقَدِّرا ذلك. قالَ الأوَّلُ:"تَقْديرُ الآيَةِ: وَنُعَلِّمُهُ [4] الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ والإنْجيلَ. وَنَبْعَثُهُ [5] رَسولًا إِلى بَني إسرائيلَ، قائِلًا إِنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. والحَذْفُ حَسَنٌ إِذا لم يُفْضِ إِلى الاشتِباهِ ... قالَ الأخفش: إِن شِئْتَ جَعَلْتَ الواو زائِدَةً، والتقدير: وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ والإنْجيلَ رَسولًا إِلى بَني"
(1) . هود 11: 25. وهي على قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائيّ. انظر: ابن مجاهد، كتاب السبعة في القراءات: ص 332.
(2) . سيبويه، الكتاب: 3/ 127.
(3) . آل عمران 3: 48 - 49.
(4) . هكذا، والصواب - كما في الآية: ويُعلِّمه.
(5) . هكذا، والمُوافق لوجهة الكلام في الآية أن يُقال: ويَبعثه.