فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 72

إسرائيلَ، قائِلًا أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ" [1] . وقَدَّرَ ابنُ كثير:" (وَرَسولًا إِلى بَني إسرائيلَ) قائِلًا لَهُم: (أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) " [2] ."

على حين إِنَّ نَفَرًا آخَرَ مِن المُفَسِّرينَ - فيما يَبْدو- لم يَستَحْسِنْ تقديرَ فعلِ القولِ في الآيةِ، لِما كانَ - رُبَّما- مِن مَجيءِ (أَنَّ) . فنشدَ ضالَّتَهُ في أفعالٍ تبليغيَّةٍ أخرى تدُلُّ على القولِ مِن غيرِ لفظِهِ، مَتْلُوَّةٍ بِالباءِ، مثلَ: (أَخبرَ بـ) ، و (نَطَقَ بـ) . قالَ الألوسيّ (1270 هـ) :"أي رَسولًا ناطِقًا أو مُخْبِرًا بِأَنّي" [3] . وهذا عندي غيرُ مُتَّجِهٍ، لأَنَّ (نَطَقَ بـ) و (أَخبَرَ بـ) مِمّا يَبْدَهُ الكلامَ المَنقولَ إِخبارًا لا حِكايَةً، والذي في الآيةِ إِنَّما هُوَ مَحكِيّ. فإِذا قُلْتَ:"فلان أَخْبَرَني بـ"، فإِنَّ المتلقِّيَ ينتظِرُ مِنْكَ أَنْ تأتِيَ بَعدَ هذا بِكلامٍ غيرِ مَحكِيّ، كقولِكَ:"فلان أَخْبَرَني بأَنَّهُ يُحِبُّ هندًا". أَمّا إِذا جاءَ كلامُكَ نَحْوًا مِن:"فلان أَخْبَرَني بأَنَّني أُحِبُّ هندًا"، وَقَعَت المُفارقةُ الماثِلةُ في المُباعَدَةِ بين الوظيفةِ الحَقيقيَّةِ التي تَقومُ بِها العِبارةُ الفعليَّةُ (أَخْبَرَ بـ) ، مِنْ تَهيِئَةِ السامِعِ أو المُتَلَقّي لكلامٍ غيرِ مَحكِيّ، وطَبيعَةِ الكلامِ الذي يَعْقِبُها.

وفوقَ ذلِكَ كلِّهِ نَقولُ: يُمْكِنُنا أَنْ نَلْتَمِسَ طِلْبَتَنا، التي هِيَ إقرارُ ورودِ (أَنَّ) مكان (إِنَّ) بعد (قالَ) ، في تِلك المَواطِنِ الكثيرةِ المتنوِّعةِ، التي يَجوزُ فيها تعاقُبُ الأداتَيْنِ (إِنَّ) و (أَنَّ) . ولَعَلَّ مِن أَشَدِّ مَواطِنِ التعاقُبِ مُساعَفَةً لِما نقولُ بِهِ، ما يَنْقُلُهُ ابنُ السَّرّاجِ عن أَبي العَبّاسِ، مِنْ أَنَّ البغدادِيّينَ"يَقولونَ: واللهِ أَنَّ زيدًا مُنْطَلِقٌ، فيَفتَحونَ (إِنَّ) ، وهو عندي القِياس، لأَنَّهُ قَسَم، فكأَنَّهُ قالَ: أَحلفُ بِاللهِ على ذاك، أَشهدُ أَنَّك مُنْطَلِقٌ" [4] .

(1) . الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: 8/ 48.

(2) . ابن كثير، التفسير العظيم: 2/ 41.

(3) . الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: 3/ 167.

(4) . ابن السراج، الأصول في النحو: 1/ 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت