فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 72

ولئن صَحَّ الفتحُ عن البغدادِيّينَ في جوابِ القَسَمِ، وقُبِلَ التأويلُ الذي قَدَّمَهُ ابنُ السَّرّاجِ لذلك، فإنَّ الفتحَ في صَدْرِ مَقولِ القولِ لَعَمْري أَوْلى بِأَنْ نَتَقَبَّلَهُ قَبولًاَ أَحْسَنَ، ذلِك لأَنَّ"العامِلَ الفِعْلِيَّ"في مَقولِ القَوْلِ ظاهِرٌ مُسْتَعْلٍ، هو الفعلُ (قالَ) .

ومَعَ ذلِكَ، فَإِنَّنا إذا كُنّا لا نَشُكُّ هُنَيْهَةً في ثُبوتِ مَجيءِ (أَنَّ) المفتوحةِ في جَوابِ القَسَمِ مِن كلامِ البغدادِيّينَ، فَإِنَّنا نُشَكِّكُ عالِيًا في صِحَّةِ تفسيرِ ابنِ السرّاجِ المَذْكور. وذلِكَ أَنَّ أَمْرَ جَوازِ تعاقُبِ الأداتَيْنِ (إِنَّ) و (أَنَّ) يَنبغي ألا يَكونَ مَوْكولًا إِلى هذا الذي قالَ، بل إِلى الضابِطِ العامِّ المُشْتَهِرِ الذي يَحْكُمُ الكسْرَ والفَتْحَ، الذي هو أَنَّ"كلّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَوَّلَ فيهِ (إِنَّ) مع ما بعدَها بمصدر تَسْتَحِقُّ فيهِ الفَتْحَ، وكُلّ مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أَنْ تُؤَوَّلَ فيهِ مع ما بعدَها بمصدر تَسْتَحِقُّ فيهِ الكَسْرَ، وكلّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ فيهِ التأويلُ وعَدَمُهُ يَجوزُ فيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ" [1] .

وعَلاوَةً عَلى ما ذُكِرَ كُلِّهِ، فإنَّنا نَقَعُ في بعضِ كتبِ الحديثِ الشريفِ على (قالَ أَنَّ) و (قالَ بأنَّ) ، بِوصفِهِما واسِمَتَيْنِ تَسِمانِ الجملةَ بِميسَمِ المنقولِ إخبارًا لا حكايةً، كما هو مُوالٍ:

-"وقد قيلَ أنَّ الزهريَّ لم يَسْمَعْ هذا مِنْ أبي سلمة" [2] .

-"عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قامَ رَجُلٌ في المَسْجِدِ فَنادى: مِن أينَ نُهِلُّ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: يُهِلُّ مُهِلُّ أهْلِ المدينةِ مِن ذي الحُلَيْفَةِ، ... قالَ: ويزعُمونَ أو يَقولونَ أَنَّهُ قالَ: ويُهِلُّ مُهِلُّ أهْلِ اليمَنِ مِن أَلَمْلَم" [3] .

(1) . أحمد مختار عمر، أنا واللغة والمجتمع: ص 237. وانظر: عبد الرحمن محمد أيوب، دراسات نقدية في النحو العربيّ: ص 194.

(2) . النسائيّ، سنن النسائي، كتاب الأيمان والنذور، باب كفارة النذر، 7/ 27.

(3) . أحمد بن حنبل، المسند، مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، رقم الحديث: (6101) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت