ولعلَّ الأكثرَ غرابةً فيما نحن فيهِ مِن حديثٍ، أنْ نقرأَ حديثًا تَرِدُ فيهِ (قالَ أَنَّ) ولكنْ متبوعة بكلامٍ مَحكيٍّ:"... فقالَ الرجلُ: واللهِ يا رسولَ اللهِ إنّي لأُحِبُّ هذا الرجلَ في اللهِ. فقالَ رسولُ اللهِ - صَلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-: أَخبرتَهُ بذلك؟ قال: لا. قالَ: قُمْ، فأَخبِرْهُ تَثْبُت المَوَدَّةُ بينَكما. فقامَ إليهِ فأَخبَرَهُ فقالَ: أَنّي أُحِبُّكَ في اللهِ" [1] . وهو أمرٌ خارجٌ عن نطاقِ المُتَصَوَّرِ، بعيدٌ عن احتمالِ التصويب والتصديق.
والحقُّ أَنَّ"محمد كامل حسين" [2] قد سَبَقَنا إِلى هذا المَلْحَظِ بثاقِبِ بصيرتِهِ، وذلك حينَما قالَ باقتِضابٍ شديدٍ: [3]
"جَرَتْ عادةُ العرب على ألا يَذْكروا بعدَ كلمةِ (قالَ) إِلا ما كانَ نَصًّا. وعلى ذلك يَجِبُ أَنْ تُكْسَرَ همزةُ (إِنَّ) بعدَ (قالَ) . ولكنّا في هذا العصرِ نَتَوَسَّعُ في استِعْمالِ كلمةِ (قالَ) ، فإِذا كانَ ما بعدَها نَصًّا وُضِعَ بينَ علامَتَيْ تنصيص وتَكون همزة (إِنَّ) مَكسورةً، فإِذا لم يَكُنْ نَصًّا جازَ فتحُ همزةِ (إِنَّ) أو كسرُها بحسبِ المعنى المُرادِ".
وقد أثارَ"أحمد مختار عمر"الرأيَ نفسَهُ بعدَ نحوٍ مِن أربعٍ وعشرينَ سنةً، ولكنْ مِن غيرِ ما إشارةٍ إلى مَنْ سَبَقَهُ أو إضافةٍ جديدةٍ حاسِمةٍ، وذلك عندَما عَرَضَهُ في مؤتمر المَجْمَعِ اللغويِّ في القاهرةِ، في دورتِهِ السابعةِ والستّين (2000 - 2001) . وقد وافَقَ المؤتمرُ، آخِرَ المَطافِ، على الاقتِراحِ الذي ساقَهُ"أحمد مختار"
(1) . السابق، مسند أنس بنِ مالك، رقم الحديث: (13046) .
(2) . أثبِتَ اسمه على غلاف الكتاب الخارجي هكذا:"محمد كامل حسن"، بينما هو في صفحةِ الغلاف الداخلية:"محمد كامل حسين".
(3) . محمد كامل حسين، اللغة العربية المعاصرة: ص 118.