فهرس الكتاب
عجِبتُ لِمُبتاعِ الضلالة بالْهُدَى * ومن يشترى دنياه بالدين أعجبُ
وعلى مثلهم يصدق قول الشاعر:
نرقَِّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نُرَقِّعُ
أما من له العلم-أو: كثير منهم-فميعوا وجعلوا العلم بازًا ودكانًا يرتزقون منه، بلغت القحة بهم أن يطبلوا للطغاة مهما كان ظلمهم وطغيانهم، وكأن المتنبي عناهم حين قال:
إذا كان بعض الناس سيفًا لدولة * ففي الناس بُوقَاتٌ لها وطُبولُ
لأن من عادة الجيش إذا أراد الحرب: أن يضرب الطبول والبوقات، ولا شك أن صاحب السيف أشرف من صاحب الطبل والبوق، لأن صاحب السيف يكون أغنى في الحرب، يقوم مقامًا لا يقومه غيره، ولهذا قلت:
فلتربأُوا قومي عن الدَّنيهْ * ولتتقوا من ربكم تقيهْ
فإنما دنياكمو عطيه * مردودة لخالق البريهْ
وإنما أعمالنا بالنيه * والخير كل الخير في السويهْ
فاعتبروا وأحسنوا الطويه * فلم تزل أرواحكم نقيهْ
أسوقها إليكم برقيه * منقوشةٌ بأحرف فضيهْ
فليجعل الله بني أُخَيهْ * نفوسكم راضية مرضيهْ
زمانٌ الهدم فيه أسهل من البناء، ينكرون مع وجود الدليل، ويثبتون بغير دليل، سقطوا في أول الطريق، وتبخرت المبادئ في أول اختبار، مشايخ كنا نعدهم نجومًا فلما امتحنوا (رغبًا ورهبًا) ، نعمة ونقمة، قلبوا ظهر المجن لمبادئهم، مما حدا بالقاضي أبي الحسن بن علي بن عبد العزيز الجرجراني أن يرفع صوته قائلًا:
يَقُولُونَ لِي: فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا * رَأَوْا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُم * وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا