فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 451

والعكس صحيح، وما كان توحيدًا أصبح اليوم تشددًا، (وجادلو بالباطل ليدحضوا به الحق) ، يبرقون في الكتابة ويرعدون، ويقعقعون في العبارة ويُزْبِدون، ولسان حالهم يقول-ولسان الحال أنطق من لسان القال-:

وكنتُ امرءًا من جند إبليس فانتهى * بيَ الفسقُ حتى صار إبليسُ من جندي

فلو مات قبلي كنتُ أُحْسِنُ بعده * طرائقَ فسقٍ ليس يُحسنها بعدي

نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن السلب بعد العطاء.

وفي المقابل: رأينا أبطالًا كالجبال التي نُفخ فيها الروح، صبروا وصابروا، وجاهدوا واجتهدوا سيفًا وقلمًا، ولسانًا وسِنانًا:

قومٌ إذا أخذوا الأقلام من غضب * ثم استمدوا بها ماءَ المنيات

نالوا بها من أعاديهم وإن بَعُدُوا * ما لا ينال بحد المشرفيات

ومن أولئك الأبطال الكبار-والكبير لا يحتاج إلى زيادة ألقاب-صديقنا عمر بن محمود أبو عمر الفلسطيني، هذا الشيخ جمع الخير من أطرافه، اجتمع فيه ما تفرق في غيره، أعرفه منذ ثلاثين سنة-وما بدل تبديلًا، ولا غيَّر تغييرًا-لم ينهزم، والصبر على الشدائد أكسبته فوائد، له عبارات المبدعين، واستعمالات المفلقين، فصاحة ونصاعة وصراحة وبلاغة: تنقطع إليها أعناق العِتاق السُّبَّق، وترنو عنها الجياد القُرَّح، ولا أكون مبالغًا إن قلت: (مكتبة تتحرك فوق الأرض، من عرفه حجة على من لم يعرفه) ، ليس فعلًا لازمًا لا يتعدى، بل يتعدى بزيادة الطلب، ولا يقبل الجمود، وليس بينه وبين الحق حجاب، لا يزيده المدح شيئًا، (استوى الماء والخشبة) ، شمس العلوم، وكنز الحِكَم، يبدع وينشئ من المعاني ما لا يحصيه القلم الفصيح في اللغة، و (كل الصيد في جوف الفَرا) ، إنه أبو عمر الفلسطيني وكفى، ومن لغا فلا جمعة له، والشائعات والإشاعات بأنواعها الثلاثة: (إشاعة رغبة، وإشاعة رهبة، وإشاعة بلبلة) لا تفت في عضدنا، لا تحكموا على الشيخ حتى تسمعوا منه لا عنه، الرجل يستدل ثم يعتقد وليس العكس، والاهتمام بغير المجدي هو شغل عن المجدي، والمجدي في حياة الشيخ كثير، ومشروع ألف كتاب خير دليل، مشروعه يتحدث عن الواقع، والواقع لا يُكَذَّب، وكل من يتبعه لا يُحرَم من أن يصحح معلومة، أو: يزيد ملحوظة، أو: يسجل محفوظة، والرجل حقق وتحقق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت