الصفحة 100 من 256

والحال الثالث: تهمته، وهو قيام سبب يوهم أن الحق عنده فإن الاتهام افتعال من الوهم وحبسه هنا بمنزلة حبسه بعد إقامة البينة وقبل التعزير [1] ، أو بمنزلة حبسه بعد شهادة أحد الشاهدين.

فأما امتحانه بالضرب كما يجوز ضربه؛ لامتناعه من أداء الحق الواجب دينًا أو عينًا، ففي المسألة حديث النعمان بن بشير في «سنن أبي داود» لما قال: إن شئتم ضربته، فإن ظهر الحق عنده وإلا ضربتكم، وقال: هذا قضاء الله ورسوله [2] ، وهذا يشبه تحليف المدَّعي إذا كان معه لوث، فإن اقتران اللوث بالدعوى جعل جانبه مرجحًا فلا يستبعد أن يكون اقترانه بالتهمة يبيح مثل ذلك.

والمقصود: أنه إذا استحق التعزير وكان متهمًا بما يوجب حقًا واحدًا، مثل أن يثبت عليه هتك الحرز ودخوله ولم يُقر بأخذ المال وإخراجه، أو يثبت عليه في الحراب خروجه بالسلاح وشهره له، ولم يثبت عليه القتل والأخذ، فهذا يُعزز لما فعله من المعاصي [977 أ] ، وهل يجوز أن يفعل ذلك أيضًا امتحانًا لا غير فيجمع بين المصلحتين؟ هذا قوي في حقوق الآدميين.

فأما في حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل، ويقوي ذلك: إذا أنكر الجميع ثم قامت البينة ببعض ما أنكر فإنه يصير لوثًا، ونظير ذلك: أن يُعاقب الإمام من استحق العقوبة بقتل، ويوهم العامة: أنه عاقبه ببعض الذنوب التي يريد الحذر عنها، وهذا «يشبه أنه صلى الله عليه وسلم [3] » إذا أراد غزوة ورى بغيرها [4] ، والذي لا ريب فيه: أن الحاكم إذا علم كتمانه الحق عاقبه حتى يُقربه كما يُعاقب كاتم المال الواجب أداؤه، فأما إذا احتمل ألا يكون كاتمًا فهذا كالمتهم سواء.

وخبر من قال له جني بأن فلانًا سرق كذا، كخبر إنسي مجهول، فيفيد تهمة، وإذا طُلب المتهم بحق فمن عرف مكانه دل عليه.

والقوادةُ التي تُفسد النساء والرجال أقل ما يجب عليها [5] الضرب البليغ، وينبغي شهرة ذلك بحيث يستفيض هذا في النساء والرجال، وإذا أُركبت دابة وضُمت عليها ثيابها ونُودي عليها هذا جزاء من يفعل كذا وكذا كان من أعظم المصالح، فإن جريمة هذه من أعظم الجرائم، إذ هي بمنزلة عجوز السوء - امرأة لوط - وقد أهلكها الله مع قومها.

ومن قال لمن لامه الناس: تقرؤون تواريخ آدم، وظهر منه قصد معرفتهم بخطيئته عُزر ولو كان صادقًا، وكذا من يُمسك الحية ويدخل النار ونحوه، وكذا من نقص مسلمًا بأنه مسلماني أو أباه مسلماني مع حسن إسلامه، ومن غضب فقال: ما نحن مسلمون، إن أراد ذم نفسه لنقص دينه فلا حرج فيه ولا عقوبة، ومن قال لذمي: يا حاج، عُزر؛ لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله، وفيه تعظيم لذلك، فهو بمنزلة من يشبه أعياد

(1) ... كذا في الأصل والاختيارات، وصححها الشيخ ابن عثيمين إلى: «التعديل» .

(2) ... أبو داود (4382) .

(3) ... كذا في الأصل، وفي الاختيارات: «يشبه ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم من أنه» .

(4) ... البخاري (2948) ، ومسلم (2769) ، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.

(5) ... كذا في الأصل، وفي الاختيارات: «على الحاكم فيها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت